Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

رجُلُ الهدايا ومغسّلُ الأموات

Lina Atfah
Photo: private

كتب الفنان التشكيلي السوري ابن مدينة سلميّة وليد النظامي على حسابه الشخصي في فيسبوك: (كيف بدنا نقنع السلامنةانو بابا نويل ما بيجي بليلة راس السنة !؟) لم أفهم السطر وسألت زوجي ما مقصد هذا الكلام؟ فأجابني أن رجل الهدايا يأتي في ليلة الميلاد ولكن أهالي مدينة سلمية يرجئون حضوره إلى ليلة رأس السنة. فضحكت حتى تيبّست عضلات وجهي، كان عليّ أن أبلغ الثامنة والعشرين من العمر حتى أكون على دراية بتوقيت قدوم رجل الهدايا، وتداعت إلى ذاكرتي كلّ احتفالات رأس السنة التي حضرتها لأتذكر لقائي الأول مع بابا نويل، كنت في الخامسة من العمر، رجل بلحية بيضاء يرتدي الأحمر ويقدّم لي دمية بديعة جعلت قلبي يرقص من البهجة لدرجة أنّي نطقت فيه مديحا موزونا وكانت تلك المرّة الأولى التي أنطق فيها الشعر، أتذكر ذلك على سبيل أن الشاعر مفطورٌ طبعه على التكسب، لقد مدحت رجل الهدايا الذي طار من الفرحة إثر المديح وانفعل، فخلع قناعه وقبّلني على وجنتيّ وكانت تلك أولى الصدمات التي يقدّمها الشِّعر لي، لقد تحطّمت أسطورة رجل الهدايا بعد مديحي الطفوليّ الموزون، لكنّ أهلي لم يقنطوا من رحمةٍ تعيد مباهج ليلة رأس السنة إلى طفولتي، فأقنعوني أن ذلك الرجل كان بابا نويل المزيّف، وأقنعوا عمي ثائر المُعفى من الخدمة الإلزامية جرّاء إعاقة ذهنيّة ونطقيّة (هذا المكتوب في دفتر خدمة العلم) أن يكون هو رجل الهدايا في العام القادم والأعوام اللاحقة وفعلا في كلّ ليالي رأس السنة كان عمّي الودود والمحبوب يرتدي عباءة سوداء وقناع رجل الهدايا ويحضر لي ولأختي ولأطفال الجيران الألعاب في كيس عليه ختم المؤسسة الاستهلاكية، كنا نعرفه حين نصافحه من يديه الخشنتين والمتشققتين جرّاء العمل والشقاء، لكنّ أحدا لم يخبر الكبار بذلك، كنّا سعداء كون عمي ثائر هو حامل الهدايا إلينا. وبعد سنوات استبدل عمي قناع بابا نويل بقناع قرد، واشترى قفّازات تتلاءم مع القناع. بعض الأطفال ارتجفوا هلعا، أما البقية وأنا منهم كنّا نتقافز حول عمي ثائر ونصدر أصواتاً وضحكات وصراخاً ونعانقه ونبادله الهدايا، في كل عام كنا نشتري له طردا من علب سجائر الحمراء الطويلة الفاخرة. عمّي ثائر لم يكمل تعليمه الابتدائي لكنه سافر إلى ليبيا وعمل في حفر الآبار الارتوازية ثمّ عاد إلى سوريا بعد سنوات وعمل في مشروع الحزام الأخضر على أطراف بادية سلميّة، لاحقا عمل في توزيع اسطوانات الغاز. عمّي يستمع إلى الشاعر مظفر النواب ويحفظ أغاني مصطفى قمر، ويصلّي يوم الجمعة في جامع الإمام اسماعيل مرتدياً الزيّ الليبيّ التقليدي الذي ارتداه في التظاهرات من باب التخّفي، واستدعي والدي إلى التحقيق ليسألوه عن شقيقه الذي يحرض وينظّم التظاهر فأبرز لهم دفتر خدمة عمي الإلزامية وقال: شقيقي ثائر معفى من كل شيء. تعلّمت من عمّي شرب المتّة، كان يشرب من سبعة إلى ثمانية أباريق، ويدخّن ثلاث علب سجائر في اليوم، يحتقرُ كلّ أنواع الحيوانات، ولا يأكل البامية أبدا، يحبّ اللحم الأحمر، وأيضاً ضد مؤسسة الزواج. كان ساعد جدتي الأيمن في إعالة بناتها، ثمّ أعالها بعد أن أصيبت بالشلل النصفي، بكى كثيرا يوم وفاتها وكان يهذي: أنا صرت يتيماً.. وحين حاولت أن أشرح له أنه كبر على اليتم، أجابني أن الدولة تعدّه قاصرا لذا هو يتيم، أخذ غرفتها وسريرها وخاتم أبيه وقال: أنا صرت جبّانة! وترك العمل في توزيع اسطوانات الغاز ليتفرّغ لصناعة الزّعتر، فاشترى محمصة صغيرة وبدأ العمل وطلب منّا أن نسوّقه في إعلان على الفيسبوك، وفعلاً التقطنا له صوراَ وافتتحنا له صفحة وقامت أختي وأصدقاؤها بإجراء مقابلة معه لإثراء الصفحة: أمّي علمتني كيف أصنع الزعتر، السرّ يكمن في السّماق، ولن أعطي السرّ لأحد! خلال أسابيع كانت مدينة سلميّة كلها تشتري زعتر ثائر عطفة (زعتر الشماميس)، كان أسوأ من قام بحسابات ماليّة وأظرف من حسب أرباحه، يدخل رأسمال العائلة كاملة في أرباحه، لا يتعارض بخله مع طيبته وظرافته. قام بطباعة بطاقات تعريفيّة به وبعمله و وزّعها على كافة المحالِّ التجارية، لكنّه لم يلبث أن أصيب بالملل من الطحن والتعبئة والتوزيع، قال: لقد قررت ترك الزعتر، أنا أشهر من صنع زعتراً حتى الآن ويكفيني ذلك. توقّف نهائيا عن صناعة الزعتر، وغادرت أنا إلى ألمانيا لكنّني بقيت أستيقظ في الليل مختنقة حين يزورني مشهد بكائه عليّ قبل سفري، لم أعلم ما المهنة الجديدة التي انتقاها، حدّثني عبر السكايب وبكينا، كانت ذقنه حليقة ورداؤه أنيقا، سألته عن سرّ أناقته، فضحك وقال: ذاهب إلى العمل. هنأته وأثنيت على نشاطه وسألت ما هو عملك الآن؟ قال: أغسّل الموتى! ساد صمت للحظات، ثمّ ضحك قائلا: هل خفتِ؟ قلت: لا، لكن كيف اكتشفت موهبتك بغسل الموتى؟ فأجابني: لقد غسّلت المرحوم خالي منير واكتشفت أن قلبي قوي ولا أخاف من الموت، يا عمّي الموت هو فقط حشوة قطن، وراحة بال، وحفل تعارف لتأكل الناس مجاناً عن روح المرحوم. لقد حصلت على توصيات من ثلاثة أرباع سكان سلمية، الجميع يريدونني أن أغسّلهم، ويحجزون دوراً عندي، وقد قدّمت عرض تنزيل أسعار للعائلة التي يموت عندها أكثر من واحد، كما أنني أراعي الفقراء، الجميع صار مشروعا ربحيّاً، وكلّما التقيت أحدهم في الشارع أسأله متى ينوي أن يتوكّل؟ يضحك عمّي ويقول: وأصنع القهوة المرّة، البعض ينادونني يا شيخ! آخ فقط لو أنّهم يغسّلون الشهداء لصرت أغنى سوريٍّ في العالم. فرددت: خلّوا الشهيد مكفّنا بثيابه.. فغضب وقال: أنت ستموتين فقيرة، الشِّعر لا يأتي منه إلا الفقر، لماذا لا تغسّلين الأموات في ألمانيا؟ أجبت: إنّهم يحرقونهم هنا. فردّ: ألا يغسّلونهم قبل الحرق؟ الحمدلله أنني لست ألمانيّا. وطلب إليّ أن أقوم بعمل حملة دعائية له على فيسبوك فوعدته أنني سأكتب عنه في الجريدة، ضحكتْ عيناه وغمر وجهه فرح طفوليّ وتساءل ترى من منّا سيجعل الآخر مشهورا؟ أرسلي لي نسخة من كتابك، صحيحٌ أنني أمّيٌّ لكنني أفهم في فنّ الدعاية والإعلان، وسأحكي عنه وعنك في كلّ بيوت العزاء.

– In meiner Hand erblühteLesenHörenتفتّحَتْ في يدي