Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

أخيراً.. أصبح لي جناحان

Widad Nabi
Mixed Media by Majd Suliman (2018) / based on a photography by Sandra Weller
Mixed Media by Majd Suliman (2018) / based on a photography by Sandra Weller

‎في شباط عام 2014 كان رأسي يتدحرجُ ككرة قدم على إحدى شوارع حلب، وبينما كان الدم يسيل من أنفي وعيناي تنغلقان بقوّة، كانت كلمات „أنغبورغ باخمان“ تتدحرج أيضاً مع رأسي المدمّى على الأسفلت: „كل شخص يسقط، لديه أجنحة“.
كنتُ أسقط في موتي الذي اخترته منتظرة الجناحين اللذين سيطيران بي لعالمٍ آخر أكثر عدالة وإنسانيّة، ولا قسوة للحب فيه، أردت إنهاء حياتي تحت عجلات سيارة لم أنتبه لهويّتها العسكرية إلا بعد أن رميت بنفسي أمامها، أردت إنهاء الحياة التي سرقتها مني الحرب، الحب غير المحقق، الحواجز العسكرية، الخوف من الاعتقال والقصف اليومي، اليأس، انقطاع الكهرباء والماء بشكل يومي لساعات طويلة، هجرة معظم الأصدقاء والعائلة.. وكل التفاصيل الصغيرة التي لم تعد متوفرة في مدينة تعيش تحت قبضة الحرب الهائلة.
ذهبت إلى الانتحار بنفسي، لكن الموت رفضني، قذفني خارج أرضه، أهانني وأذلّني حين وضعني بين يدي الجندي الذي كنت أهرب منه وأرفع صوتي عالياً في المظاهرات ضده، الجندي الذي دهسني بالسيارة العسكرية حينما قررت الموت، كانت إحدى سخريات القدر، حملني بين ذراعيه من الشارع وكعب بندقيته يلامس جبيني، فتحت عيناي للحظات، لمحت كعب البندقية، أغلقتهما وعدت مرة ثانية لأنغبورغ باخمان، أسألها: لماذا الألم قاسي يا باخمان، لماذا؟ كيف نجا قلبك بالاحتراق؟ ولماذا لا أنجح مثلك؟
‎خرجتُ من المشفى بكسرٍ في الحوض، أبقاني ممددة على ظهري في السرير لـ 3 أشهر، وكلمات الطبيب ترن ضاحكة في أذني „هذه أول حالة تأتيني منذ عامين بحادث سير، المرضى والجرحى هم إما بسبب قذيفة، صاروخ، قصف، رصاصة قناص، جرة غاز، أما أن يأتيني أحد بسبب حادث سير فهو عجب العجاب في حلب“.
كدت أخبره أنه لم يكن حادث سير، إنما محاولة انتحار للخلاص من بؤس الحياة في هذه المدينة، لكنني قرّرت الصمت، عدت لقصيدة باخمان: „لكل شخص يسقط جناحان“ وكنت بلا أجنحة أسقط في هاوية اليأس والألم.
‎في السرير، وأنا ممددة على ظهري عدت لقراءة باخمان: أردت أن أنجو بالشِعر، تعاطفت مع علاقتها الغرامية مع باول تسيلان، وماكس فريش ورسائلها إليهما، ألمها الممتد على سنوات عمرها، حتى السيجارة الأخيرة التي أحرقت حياتها بها.
‎كانت باخمان في تلك المرحلة الصعبة والطويلة في حلب جناحي الأول الذي عثرت عليه وساعدني على المشي مجدداً، كنتُ أعرجُ بسبب الكسر في الحوض، لكن قصائدها كانت ترفع من الألم والعرج بخفةٍ، رافقتني وأنا أتمرّن على المشي من جديد في مشتل الورد بالحي الذي كنت أقيم فيه، لربما لا تزال قصائدها تنمو هناك في أصص الزهور بعد أن هدأت الحرب في حلب.
‎مرّ عام، على تلك الحادثة، نجوت من الموت بجناحٍ واحد، وكانت باخمان سبباً مهماً بهذه النجاة.
‎ وصلتُ إلى برلين وأنا أحمل إرثاً ثقيلاً من تجربتي الشخصية في الحرب والحب والصراع لأجل البقاء، اكتشفت إنني لازلتُ أعرج، لازلت بكسر غير مرئي، في القلب لا بالحوض، كسر لم أستطع معرفة كنهه إلا أثناء حديث مع صديق عن انغبورغ باخمان وعلاقتها مع ماكس فريش، ما دفعني للبحث عنها مرّةً أخرى، هذه المرة بالألمانية القليلة التي كنت أجيدها. أردتها أن تنقذني من الوحدة، من مشاكل الهوية التي بدأت أعاني منها في البلد الجديد كما كان الأمر في بلدي، هويات عديدة تتشكل داخلي دون أن أستطيع أن أنحاز لإحداها، إحساسي بعدم وجود عدالة على هذه الأرض، أردتُها أن تمنحني الطاقة والأمل للبدء من جديد في الكتابة والحياة، وكانت المفاجأة هي اكتشافي علاقتها مع مجموعة ٤٧. حين قرأت لأول مرة عن هذه المجموعة والأدب الحديث الذي كتبوه، رؤيتهم الجديدة للحياة والأدب والكتابة والنقد في زمن كان صعباً جداً بالنسبة لهم، كيف هدموا القديم، وتخلصوا من أنقاض الماضي، ودافعوا بشراسة عن الحرية والديمقراطية والقضايا العادلة في كل مكان على هذه الأرض، فتح كل ذلك نافذة ضوء صغيرة في عتمة المنفى البرليني الجميل، فهنا في هذه البلاد وقبل أكثر من ٥٠ عاماً وُجِد مجموعة كتاب وشعراء وعانوا ما أعانيه الآن: الألم، الرغبة بالتحرر من ثقل الماضي بكل ما فيه من مرارة الحرب والموت، هدم كل الأعمدة المقدّسة القديمة، إعادة البناء والكتابة من جديد على أنقاض الماضي…أجل، هؤلاء من كنت أرغب أن أولد معهم، أن أعيد معهم اكتشاف لغتي ومفرداتي، أن أغيّر الذهنيّة التي أفكر وأكتب بها، أن أعود لإيماني القديم، أنه بإمكاننا من خلال الأدب أن نغيّر شيئاً في بشاعة هذا العالم، هذه المجموعة (مجموعة 47) كانت جناحي الثاني الذي كنت أفتقده طوال الفترة الماضية بعد نجاتي من محاولة الانتحار الفاشلة في حلب، هذه المجموعة التي تذكرتها حين كنت أقف بيأس أمام حافة نهر شبريه، إذ كنت أريد أن أرمي حياتي كاملة في النهر، كنت أبكي هشاشتي، عدم قدرتي على مواجهة المسؤوليات الجديدة التي ينبغي أن أقوم بها لوحدي في هذه المدينة التي بالكاد أعرف لغتها، رغبتي المتواصلة بالموت كحل وخلاص، عدم قدرتي على المشي بقدمين حديديتين على هذه الأرض التي تبيّن لي أنها أقسى مما كنت أتوقعهُ، أنقاض الماضي وأشباحه، صعوبات الحاضر والبدء من جديد وحيدة بلا عائلة، بلا أصدقاء، بلا موطن، من أنا لأقاوم كل هذا الدمار والألم والقسوة ؟ لما لا أنهي هذه الحياة الصعبة دفعة واحدة؟
كان هذا السؤال يدور في ذهني حين بدأ أعضاء مجموعة 47 يظهرون لي الواحد بعد الآخر، جلسوا حولي على ضفة النهر، من انغبورغ باخمان إلى هنريش بول فغونتر غراس وهانس ماغنوس وماكس فريش وآخرون لا أعرفهم.
كان صوتهم واحداً وقوياً: الكتابة سوف تشفيك، سوف تساعدك على المضي قدماً، على تعلم المشي والابتسامة من جديد.
صدّقتهم، ألم يكتبوا الأدب الألماني الحديث من الصفر؟ ألم يشطبوا كل ما سبقهم؟ ألم يصنعوا عالمهم الخاص رغم من كل الصعاب؟
كان لقائي الثالث مع مجموعة 47 كان في أثناء ورشة أقامها مشروع „WEITERSCHREIBEN“، حين كان مدير الـ „Literarische Colloquium Berlin“ يورغن يتحدث عن مجموعة 47 التي كانت تعقد اجتماعاتها هنا في LCB، كانت سعادتي سعادة طفل بعثوره على ما يحب، هنا في هذا المكان الذي كنت جالسة فيه، كانوا يجلسون ويتجولون بين هذه الممرات وينظرون لذات المشهد الذي أنظر اليه الآن، البحيرة الصافية في فانزيه.
قفز قلبي كجرو صغير، أولئك الذين مدّوني بجناحٍ صغيرٍ للطيران حين كنت على وشك السقوط، كانوا هنا جميعهم، يتناقشون، يتصايحون، يتجادلون، وينتقدون كل الكتابات التي تكتب، لم يكن هناك حاجز، كل شيء كان مباحاً لأجل الكتابة الجديدة التي تساعدنا في صناعة عالم أقل توحشاً وبشاعة.
منذ أيام شاهدت كتاباً لانغبورغ في أحد مكتبات برلين، على غلاف الكتاب كانت صورتها، نظرت لعينيها المنكسرتين تحت تأثير الفقدان ولكن القويتين بنفس الوقت، همستُ لها برقة : أخيراً، أصبح لدي جناحان.

– Sieben Gründe, sich in Berlin zu verliebenLesenسبعةُ أسباب لتقع في حب برلین
– Hätte ich ein GartenherzLesenHörenو كان لي قلب حديقة
– Die Soldaten sind schlafloses FreiwildLesenالجنود طرائد لا تنام.
– Der Ort von Erinnerung beleuchtetLesenالمكان مضاء بالذكرى