Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

المجلس التأديبي

Rasha Habbal
Azad Heme, Hahnenkampf, Mixed Media auf Papier, 200 x 300 cm (2016)
Azad Heme, mixed media on paper, 200 x 300 cm (2016)

إنّه صباحٌ ماطر، وأنا وحدي في الحديقة، كما كنت لوقتٍ طويل، أهترِئ تحت المطر والثلج والشمس. وجهي يابس ومُتّسخ، ومع ذلك، إن دقّقت النظر جيداً تستطيع أن تتعرّف على ملامحي.
أنا أكبر من أضيع بين التفاصيل ولكنني مع الوقت أصبحت لا شيء، أراقب العالم يتغيرّ من زاويتي التي لا تتغير رغم أن لا جذور تغرسني في الأرض ولا مسامير تثبتني على الجدار. وجهي باتجاه الحديقة وظهري مرتاح على جدار القن.
السكان الجدد وجدوني هنا فاعتبروني جزءاً من المكان، بحلقوا بي، نقروا وجهي حين قلّدتهم كما لو أنني هم، ضاعوا سريعاً بين الحقيقة والتقمص ثم توقفوا عن التفكير بوجودي. فهم أكسل من أن يهتموا للحقيقة أو لأي شيء آخر يشغلهم عن إيجاد ما يشبعون به بطونهم التي لا تعرف الشبع، تُحرّك حياتَهم غرائزهم البسيطة للبقاء دون فلسفات معقدة. تعايشوا معي حتى صرت مألوفة، عيناً إضافيّة للمشهد اليومي.
حياتي هنا هي حياة الجميع، من تحت شُبّاك القن أتابع مسلسل دورة الحياة الطويل. مسلسل بلا نهاية بحلقات عمرها قصير، تنتهي بالعبور من أمامي.
اووه! آسفة، لم أعرفكم بعد على نفسي، أنا مجرّد مرآة قديمة أقيم منذ سنوات في حديقة قن الدجاج هذا وأشغل حيّزاً عرضيّاً من جداره تحت الشباك مباشرة، أمّا السكان الجدد فهم ست دجاجات وديك، وانضم إلينا مؤخّراً خمس فراخ تركض أمامي وراء بعضها بعد أن هجرتهم أمهم الدجاجة البيضاء الكبرى. أحفظ وجوههم جميعاً فلقد كان لدي الوقت الكافي لتأملهم أثناء غفوتهم حين ترخي الشمس دفئها بيننا.
في الحقيقة، هم لا يفعلون شيئاً سوى النوم ثم النّكش بأقدامهم الصغيرة عن ديدان يتسلّون بلعبة شدّها من حياتها إلى حوصلاتهم، وفي بعض الأحيان تحظى الديدان بجولة سريعة في الهواء حين تتخاطفها مناقير الجماعة.
الحياة بطيئة ورتيبة هنا لذلك نتذكر الأيام الصاخبة كما لو أنها أحداث تاريخية.
فلا أحد ينسى اليوم الأول للديك بيننا. وضعه صاحب البيت في الحديقة وغادر. ركضت الدجاجات بذعر في كل الأرجاء _هنّ أيضاً لم يعتدن المكان بعد، فلم يمض على وجودهنّ هنا سوى أسبوع واحد والثقة تحتاج لوقت أطول _. تفرّقت الصفوف ثم عادت فاتحدت، ستة على ديك. اختلط صوت نقنقتهن بصوت الديك الذي نسي الصياح وأخذ ينقنق مثلهن وهو يدور حول نفسه بعد أن وجد نفسه، ودون أن يستشيره أحد، في هذه المواجهة.
أنا مجرّد مرآة، لا أفهم كثيراً بأمور الدجاج لهذا كان من الصعب أن أصدق أن هذا الحبيس الخائف المنتوف الرقبة، بريش صدر غير مكتمل، وينقنق بحنجرة مبحوحة سيخرج حياً من حرب السيادة. لا تستهن بالدجاج، فهو أيضاً يتنازع على الزعامة.
حوصر الديك لساعات في الزوايا، ونُقِر رأسه وكُلّ ما طالته مناقير الدجاجات، ونُتِف ريشه في المعارك التي خاضها وحده ضدهن. وكشفت لعبة أكون أو لا أكون عن نفسها في المشهد الذي استمر بين كر وفر.
يعلم الديك أنه يجيد شيئاً آخر غير محاولة التصدي للمناقير، وأن عليه أن يتصرّف وإلا سيبقى مكسور الجناح في قنّه. اصطاد لحظةً مناسبةً واقترب من الدجاجة البنيّة القصيرة ورمى نفسه فوقها متخبّطاً كغريق، مدفوعاً بحدسه، أمسك عرفها الصغير بمنقاره، ثبّتها تحته، ونكحها.
انتهت الحرب في ساعة متأخرة من ظهيرة ذلك اليوم، نجح الانقلاب السريع وحلّت السكينة في القن، وصار صوت الديك صياحاً صافياً وواضحاً وطويلاً مثل زعامته. الديك الذي قاتل وحده في البداية صار قائداً والدجاجات اللواتي اتّحدن على نتف ريشه صرن بوقت قصير مجرد إناثٍ مطيعات، يساعدنه حين تستدعي الضرورة في نقر الخارجة عن قانونه الرتيب، فلا أحد يشاركه الأنا، ولا صوت يعلو فوق صوته.

كلّ أنا بحاجة إلى مطرودين من الرحمة وإلى مجالس تأديبية للتائبين. المجلس التأديبي للدجاجة البيضاء الكبرى اعتبرناه أيضاً حدثاً استثنائياً في سجل يومياتنا. فالمسكينة لم تدرك أن نذر نفسها للجلوس على بيضها وزهدها وتعفّفها عن الديك وصحبة الجماعة سيكلفها ثمناً غالياً هكذا. لن يمر مرور الكرام نفش ريشها الأبيض الموشّح ببعض السواد وانتفاخ صدرها بالهواء قبل أن يخرج صوتاً معلناً حالة الطوارئ مع تقديم رأسها كسهم للأمام نحو كل من يقترب من صغارها.
كسبت غريزة الأمومة الجولة في لعبة أكون أو لا أكون هذه المرة، لكنها مجرد جولة والحال يتغير. لم تُقِم الأم حساباً لقرصات حنينها إلى الجماعة وشوقها لمغافلات الديك لها من الخلف. ستعود لوضع البيض قريباً ولن تنفعها أمومتها في تلقيح بيضها. نقر رؤوس صيصانها الصغيرة وملاحقتهم وسرقة طعامهم كان إعلانها الأقوى عن التوبة وطلب الغفران حين استحكمتها الحاجة. درّبت أجنحتها لتساعدها على الطيران نحو الطرف الآخر من السّياج حيث الجماعة تحت حماية الديك. طارت فوق السّور ولم تنظر خلفها، وكأنّ كل الأثمان صارت رخيصة أمام الغريزة. طاردتها الجماعة بوحشيّة، والديك يقف بعيداً نافخاً صدره لمعرفته أن دجاجته التائبة لن ينتصب ريشها في وجهه مرة أخرى.
تبختر الدّيك بينما اختفت الدجاجة البيضاء الكبرى تحت أجساد الدجاجات اللواتي أردن تصفية الحساب كُلّه دفعةً واحدةً. حصرنها بينهنّ وتناوبن على نتفها حتى وصلن إلى جِلدها ثم تركنها لتنسحب بعيداً عنهم وتعود لمطاردة صغارها وتصبّ جام غضبها وضياعها وذُلّها عليهم. أعلنت توبتها لكن الجماعة لم تنتهِ من تصفية الحساب معها، وكل محاولاتها للتّقرب انتهت بحفلات تعذيب، إلى أن شاء الديك بعد ثلاثة أيام أن يقول كلمته الأخيرة في القضية، فاتجه صوبها في منفاها المرئي ولحقته الجماعة. كن يعرفن ما يجب عليهن فعله في مراسم إعلان سيادته، فالتففن حولها وحاصرنها. لم يعد هناك مفر من مواجهة الديك وأن تسلّم نفسها لحكمه بعد أن قامت دجاجتان بتثبيت أجنحتها إلى الأرض بمنقاريهما.
استمرّ الديك بنقرها حتى شفى غليله منها، وحين أيقن أنها لن تغادر بيت الطاعة ثانية، نكحها.