Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu

أن تطبخ قلب ذئب

Rabab Haider
Bild: Adel Dauood. Tinte auf Papier, 25 x 25 cm. 2017
Bild: Adel Dauood. Tinte auf Papier, 25 x 25 cm. 2017

أن تطبخ قلب ذئب:
هنا، لا يرتبط الذئب سوى بالرجال: يأكل الرجال قلوبها، تأكل قلوبهم، يتحولون لرجال ويحولونهم لذئاب. أما النساء فيمكنهن الارتباط بأي شيء آخر: أفعى، عقرب، بومة، أو فأرة، أو قطة، أو أرنب. بأي شيء سوى الذئاب.
كيف اتحدث عني الآن؟

1…
نزعت جدتي رأس الدمية وجعلتني أرتدي فستانها الماكسي ذي الأكمام المنتفخة. وضعتني في حضنها فتجمدت كطوطم.
أنا مالا، عمري خمس سنوات، في الحلم، داخل لحظة في صورة جماعية أمام كاميرا قديمة، لأجل العزاء الأبدي لوالدي كما رسمته جدتي، أمام مصور مجهول كان قد طلب منا أن نبتسم ، ثم ابتسم وغاب، ونحن تابعنا الوجوم:
„حبتا قمح محروقتان، أنت وأمك“ تهمس في أذن حلمي وأنا في حضنها لا أتحرك، لا أتنفس، لا يرف لي جفن. وأعرف أنها تكره القمح المحروق، وتبغض البشرات السمراء، والنساء.
نجلس أنا وجدتي -أم فادي العكاش- في الصف الأمامي، في المركز.
إلى يميننا تجلس عمتي الكبرى مادي الصابوني، توأم المرحوم والدي، شقراء طويلة كخيط شمس، بوجه عائلة الصابوني المربع والعيون اللوزية والشفاه المكورة. على يسارنا يجلس عمي الأوسط شادي الصابوني – واسماهما متناغمان (مادي وشادي) لأن والدي، الابن البكر، كان اسمه فادي – وشادي – كما كل رجال الصابوني – عملاق صغير الحجم، وله رائحة نفاذة وسخة تغرقني عندما يحف جسده بجسدي ويتنفس كبغل. في الصف الخلفي تقف عمتي الصغرى مريم بوجه عائلة الصابوني المربع وقامة عائلة العكّاش الصغيرة، بلون الصابوني الأشقر وعيون العكاش الزرقاء الصغيرة وشفاههم الرقيقة، فتبدو كما الأطفال البريئين والسعداء في الدعايات التلفزيونية لبودرة ’تالك‘. إلى جانبها يقف جسد قصير هزيل رمادي اللون متخشّب بعيون مفتوحة على الفراغ: أمي، كما رأيتها آخر مرة على طاولة تغسيل الموتى.
أكلت جدتي والدي وأخرجته وحشاً ذهبياً من قفاها الكبيرة، أظن هذا ما سمعتها تحكيه لأمي ذات مساء.
والدي حاول أكل والدتي مراراً، قبل وبعد مولدي، وعندما فشل مات.
أنا مالا برأس دمية وفستان ماكسي ممزق، تزمجر جدتي أنني أنا التي مزقته في الليلة السابقة، إذ كنت أحاول أكل الدمية، وأنقذتها هي من بين أسناني، وأمي لم تنقذني!
أترك العزاء، أعرج في جسد الدمية قصيرة الأرجل ناتئة البطن، أقصد أشجار الرمان التي تشكل مع السياج الشائك الحد الغربي للحديقة الخلفية للدارة، ترتاح عليها أحياناً طيور سوداء في طريقها للمدينة القريبة حيث الناس أكثر بهجة ومدعاة للمراقبة.
„أخرجوها من وكر الجرذان هذا“ تصرخ جدتي فيحلق الصوت فوق الأرض في الفراغ: طائراً عظيماً مخيفاً، طائراً من صراخ.
فنهرب أنا والطيور السوداء والجرذان، نختبئ في حقول ذهبية من القمح بين سنابل فيها حبات القمح محروقة، أعرج داخل ثوبي الماكسي الممزق.
أنا إسمي „مالا“ وعمري خمس سنوات، ولا أخاف الطيور السوداء أو الجرذان، بل يربكني الصراخ.
دخلت الغرفة المنفصلة عن الدارة وفيها الحمام الخارجي الأقل استخداماً بين حمامات الدارة ذات الطابقين. الحمام مخزن للغسالة اليدوية ذات الحوضين، ومسطبة الغسيل، مخبأ الرحى، وجرن القمح. الحمام/المخزن حيث يصحبني عمي شادي متسللاً من الجميع كلما استطاع.
تركت الطيور السوداء وسرب الجرذان في الخارج تقاتل طائر صوت جدتي، وولجت الحمام/المستودع. حيث ريش أسود ودماء تتجمد تغطي كل الحمّام:
„أخشى أن يكون ذئبي“
الذئب سبق وزارني في حلم سابق، أعرف هذا من هذا الحلم فقط: ان لي ذئباً وأنه سبق وزارني في المنام، وأن جدتي لا يجب أن تعلم به.
„ذئبي“ فكرت وغرق قلبي إذ ابتلعه خوف!
لكن الريش الأسود كان لطائر: فالذئاب لا ريش لها. طائراً أسود ذبحته تواً جدتي وستطعمه للقرية، قرباناً للعيد، عيد الأضحى.
„لا يمكن تقديم المخلوقات البرية أو اللاحمة أو السوداء كقربان“ أفكر أن أخبر جدتي لأنقذ قدسية عيدها؛ علني أكسب ودّها فلا تأكلني.
„الآلهة تهتم فقط بالدماء“ تجيب جدتي وكأنما تتحدث مع نفسها بينما تنظف بدأب لوح التقطيع الخشبي الكبير كغطاء تابوت، „طالما ليست دماء رجل- فالرجال مباركون- أو امرأة حائض–فالنساء دنسات- عدا ذلك، لا تفرق الآلهة بين الدماء.“

2…..
أنا سوزان في الحقيقة، ومالا في لجة الأحلام، وعمري أحد عشر شتاءاً.
جعلت الحرب أهالي الجرود الشاسعة والبيوت الفسيحة والضواحي المشمسة، يتراجعون إلى المدن فيملؤون الأزقة القديمة ويبنون معسكرات ومخيمات على عجل، يحرس الجميع جنود صغار . تاركين خلفهم الحقول لتحرس الدارات، وحدائق منازل الضواحي ترعى من بقي من الأرانب الصغيرة البيضاء والقطط المنزلية مسطحة الوجه، والهندباء البرية تنمو وتزهر كما يحلو لها. والكثير الكثير من القطط السورية التي تدربت على النجاة من صغار البشر الذين يتفننون بقتلها حتى أول جنس يمارسونه فتهدا نفوسهم.
تجمع البشر على بعضهم في الحرب، عادوا مستعمرات ضيقة ومليئة بالضجيج والحركة والقلق، تقلصت المساحات المدنيّة، فتمدّدت البرية.
انضم عمي شادي وعمتي مريم لبقية البشر ونزحوا إلى قلب المدينة، إلى دار يملكها صديق قديم لوالدي : شريك من شركاء التجارات الخاسرة والعمارات غير المكتملة.
أصرت عمتي مادي على البقاء، قالت لجدتي: „البريةّ أكثر أمانا من البشر“
جادلتها جدتي: „طبعاً، الخوف كان دائماً من البشر. إن عرفوا أنك وحيدة، هجموا“
أصرت مادي، فقررت الست أم فادي الرضوخ والجلوس لحراسة ابنتها الذهبية، وأنا -سوزان يتيمة الأبوين- أذهب حيث تذهب جدتي.
لكن قرارها لم يكن بالجديّة التي نطقته بها، بل كانت تخرج من المنزل ظهر كل يوم إلى مكان سكن شادي ومريم، وصباح اليوم التالي تأتي متكدرة ومتوترة.
بداية أتت باكرة في الصباح، ثم بدأت صباحاتها تتكاسل وتتأخر، وتأففها من عناد مادي يزداد، تطالعها صامتة ومغضبة ، ثم تغادر متناسية وجودي.
تدخل مادي غرفتها المليئة بسحب بخور و صور تمائم وحجارة عليها طلاسم: عيون ونجوم وأسهم ودوائر .
تتوه عني ولا تتذكرني إلا عندما تجوع ، فتطل عليّ من خلف باب المطبخ:
„تأكلين، سوزان؟“
„أكلت“
„ماذا أكلت؟“
„أكل“
„جيد، جيد، هذا جميل!“
وتختفي تاركة لي مساحةً برية ستكفي لعمر قادم:
أنا سوزان، وعمري أحد عشر كوكباً،
اكتشفت أن العقارب ساذجة، إن لم تسرع بقتلها رحمة بها -بدهسها بحذاء ما- ستلدغ نفسها وتموت تتلوّى من الألم.
راقبت بوم البرية السورية، الصغير والخجول، المرقط بلون التراب والثلج والذهب.
حضرت وليمة لكلاب تأكل أرنباً ضخماً بحجم ثعلب.
رأيت جثثاً لرجال لا أعرفهم، يتجولون يبحثون عن بيوت لا يتذكرونها.
لاحقت قوافل نساء بلا أسنان، متشحات بسواد، يجررن ورائهن معزاة ضامرة البطن أو اثنتين، وبين أرجل القافلة أطفال مغبرو الجباه واسعو الأعين، كان بعضهم قد بدأت تظهر في فمه الانياب. دون أن يتمايز الصبيان عن البنات.
وفي لحظة برية قبيل المساء، وكنت داخل حديقة الدارة المسورة بحائط وسياج شائك وصف طويل من أشجار الرمان، أتاني عواءه من خلف ظهري، عواءاً مختلفاً، من عالم آخر- كيف يمكن أن ترسم صوتاً؟
نظرت فطالعني الجدار الشرقي للدارة، خلفه تلة، وخلفها تلة، هناك كان الذئب.
عيناه مثبتتان في عيني، ازاح الكون إلى مكان آخر. مد الذئب خطمه فلامس خطمي، إذ تحولت لجرو ذئبة، لي خطم صغير، وبراثن لم تصبح كالحديد بعد، جلد سميك من السكر المحروق وعينان ذئبيتان مثبتتان في عينين ذهبيتين مثبتتين في عيني، إن رمش رمشت!
لكن لا جفون لنا، ولا فم للصراخ، عوا، فعويت!
يصدر عواءه من تلافيف دماغي العميقة، من خوفٍ أليفٍ قديم.
وأنا، عواء الذئبة العميق في صدري لم يصعد كفاية ليصل حنجرتي البشرية المهذبة.
جنت جدتي الست أم فادي عندما زارتنا بعد أيام من الرائحة النتنة للكلاب البرية التي تلفني وتفوح مني لتعبق بكل أرجاء الدارة طولاً وعرضاً، صعودا ونزولاً.
والأسود الذي تحت أظافري لم تفلح في تنظيفه كل الصفعات والقرصات أو الدعك بالإسفنجة الخشنة أو الصراخ.

3….
أنا سوزان، عمري خمسة عشر عَقرباً.
أترنح عائدة من أول لحظة عشق متأخرة قليلاً، كما هي عادتي دائماً. لا أذكر أني رأيت باب الدارة الرئيسي يفتح، أو إن كنت قد قرعت جرس الباب. كنت هائمة في رائحة جديدة للقبلة عندما تلقيت أول صفعة.
لم يكن العنف الأول، لم تكن الضربات الأكثر قسوة، أو ثقل جسد أم فادي العكاش أكبر. لكني كنت في مكان آخر عندما انهالت علي الصفعات.
كان الانتقال سريعاً مفاجأً، فذهلت!
.. في لحظة العنف تصعد نفس من الجسد لتراقب المشهد من الأعلى، كما لو من شرفة في السقف: جسدي تحت أم فادي.  تظهر ذراعي تصفعان كل ما تلمسانه وقدماي ترفسان –بغضب- الهواء.
من الأعلى، رأيت عمتي مريم تحاول تثبيتي فلا تقدر، فتصفع ما بدا مني، وتبتسم كما الأطفال الأبرياء في دعايات بودرة ’تالك‘.
أسمع جدتي في الأسفل تزمجر أني فاسقة وأني استغليت الحرب لأسلك طريق الفجور، و أنه حان وقت عودتي من الضياع.
في الأعلى، إلى جانبي، وقف يتفرج معي: ذئب!
بعد أن انتهتا مني عدت إليّ، لكن ليس تمامًا، إذ بيني وبيني بقي فراغ، في هذا الفراغ يوجد ذئب!
في البداية –علي الاعتراف – بقيت بضعة أيام غير متوازنة: ذاهلة أنظر في وجوههم، فاغرة الفاه جاحظة العينين، أفكر:
ما عساني أخبرهم؟
ومن عساني أخبر؟
كيف أقول أن بيني وبيني فراغ
فيه يجلس مكان قلبي ذئب؟
أحست جدتي فارتبكت أمامي لأول مرة، إذ خافت إن أصابني الجنون أن أضيع منها. 
أحست عمتي مريم، وخافت أن أفضحها أن ابتسامتها كانت دائماً بقصد دفعي للضياع بالجنون!
 أحس عمي وغضب، وصرخ، وحاول التقرب مني ليحتف بجسدي أكثر،
 وأنا مشغولة بذئبي: قلبي الجديد.
ثم بعد أن ارتحت اليه، أنصتّ، فتكلم أفضل من الإله الذي يقولون أنه يسكن فوق السماء، وأنه يحبّ من الرجال الأشداء، ويهين وجوده حضور الحائضات والفاجرات من النساء.
قلبي ذئب: في صدره رصاصة، كلما تحركت آلمته،
 وكلما تألم أكل قلب بشري بالغ ليرتاح
-أو رؤوس ثلاثة من الجان-أما الرصاصة فقصة لحدوتة أخرى.
أما أنا فقلبي ذئب.

Share
– Ein Kriegsbericht, der nicht traurig sein sollLesenحديث لن يكون حزينًا عن الحرب
Rabab Haider Ulla Lenze

Rabab Haider & Ulla Lenze

"Es ist nicht leicht, im Krieg Atheistin zu bleiben", sagt Rabab. Mittlerweile habe sie einen Gott ziemlich nötig. Humor und das Gespür für die feinen Unterschiede in groben Machtgefügen verbinden die Texte der beiden viel fliegenden Schriftstellerinnen.