Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

تهويدة لإيقاظ الحكايا

Rabab Haider
Image: Yaser Safi / No title, Ink on paper

„يالله تنام يالله تنام، لادبحلا طير الحمام“
هدهدت الخالات لبكاء ريما لتنام، قبّلن عيونها الزرقاء وحاولن تصفيف شعرها الأشقر وعندما زاد بكائها تركنها لأمها، وانضم لها أخويها التوأم اللذان يكبرانها بسنة: (آدم) و(آرام).
قالت التهويدة أنهن ستذبحن حمامة لريما لتنام، وأيهم يحب الحمام وفي كل مرة تموت حمامة تدخل قلبه شوكة دقيقة الرأس من حديد.
قالت التهويدة أن الغجر سرقوا المرأة التي تغني، ولها أم وأب على أحد ما أن يخبرهم، ولا من مخبر.
قالت الخالات أن الغجر في السفربرلك خطفوا النساء والأولاد، عاد بعضهم بعد سنوات طويلة يبحث عن أهله الذين ماتوا، وأخوته الذين ضاعوا في حيواتهم، والصغار الذين نسوا. الغجر في السفربرلك خطفوا النساء والأطفال الصغار، وردد أيهم حينها أن الغجر يخطفون النساء والصغار.
ريما الشاطرة كانت قادرة على قراءة العيون والتقاط الخوف وأخافت القصة أيهم بشكل خاص، فدخلت قبله شوكة أخرى دقيقة الرأس من حديد وأثقلته.
ضحك آدم وآرام كثيراً عندما تلعثم أيهم وتأتأ وهو يحكي بخوف قصة الغجر والسفربرلك
لم يكن أيهم قادراً على النوم بل يتداعى جسده كالإغماء، وإن نام تبول، فلا يرضى أحد بالنوم إلى جانبه.
لكن ريما نامت إلى جانبه عندما بدأ جسده يطلق روائح لذيذة كلما دار حولها، روائح لذيذة كلما لعبت حوله. نامت إلى جانبه على العشب ولم يتبول أيهم، بل نسيت قصة التبول تماماً وهي تراقب لعاب قبلتها على شفته العليا حيث كان زغب أشقر وخفيف. حدث هذا قبل موته، قبل أن يختار أن يبتلعه النهر لثقل الأشواك الحديدية في قلبه. قبل الحرب، قبل أن يتوقف والد ريما عن حضور اجتماعات العائلة، وقبل مغادرة والدتها بوقت طويل.
….
„يالله تنام يالله تنام، لادبحلا طير الحمام“
ريما ريما الحندقة، شعرا أشقر ومنقى“

هدهدت الخالات ريما في عيد من أعياد المالا: ربة العتمة والضوء أم الثعابين ومعشوقة إله النحل وزوجة الثور السماوي الكبير. واحد من الأعياد التي تشرف عليها نورا، وهذا ليس اسمها لكن قريبة والدها ذهبيّة اللون وبعيون –كعيون ريما- زرقاء، تحرّكت مرةً أمام نافذة المطبخ الطويلة فمرّت عبر جدران من ضوء الشمس تقطعها قضبان النافذة من الحديد المظلم، حينها أسمتها ريما نورا وقصدت به عمة النور، أحبت العمة الاسم، ووافقت عليه النساء.
وكان مسموحًا لريما أن تطلق الأسماء، لم تكن نعوتًا بل أسماء تشي بأصحابها. كانت الأسماء واضحة بالنسبة لها لكن الكبار كانوا دائمي السؤال: „لم اسمها كرتونة؟“
„يدها جافة مثل الكرتون“، فيضحكون بمتعة شديد.
„لم اسمها ورقة؟“ أخبرتهم أنها ورقة شجر صفراء موجودة في كتاب للحكايا يقرؤه لها والدها كل بضعة ليال وفيه قصص للأطفال، فيهزون رؤوسهم بإعجاب.
والد ريما كان اسمه البابا: أين البابا يا ريما؟ هل تحبين البابا يا ريما؟ ريما محبوبة البابا. كان يردد حولها الكبار.
والدتها اسمها (مّا) دلع خفيف وربما كان سخيفاً لاسمها „مها“، يناديها آدم وآرام „ماما“ لكن ريما والبابا اتفقا على مناداتها „مّا“
أحيانا كان صاحب الاسم لا يرضى عن اسمه، لكنه يلتصق به على كل حال، في استثناءات قليلة كانت تتغير الأسماء. وكانت صاحب الإسم ذاته هو المسؤول عن تغيره، إذ لا تملك ريما سوى أن ترى ولم تكن من تحدد الأسماء. حاولت شرح هذا للكبار لكنهم -كعادة الكبار- يرفضون تصديق الصغار بشيء.
نال آدم وآرام أسماء مضحكة كثيرة على مر السنين، كان يغيظ أحدهما الآخر بها بمزاح صاخب، حتى يتعاركان بجدية كبيرة ويتصالحان ليعيدا الكرة. لكنها لم تجرؤ مرة على تسمية قيس. ولم يتغير مرة اسم أيهم، حتى بعد أن اختار أن يبتلعه النهر في بداية شبابه او نهاية يفاعته، بعد أن خاط قلبه بقلبها بإبرة حديدية دقيقة الرأس وسامة. غرق ومات.
أن ترى الخوف والأسماء موهبة ثقيلة عندما يتكاثر حولها البشر وتتكاثف الحكايا، فيصيبها قلق لا يريحها منه سوى غيابها وتغيب أي أن تنشغل بشيء عميق كالركض خلف القطط، وفي منزل العائلة في القرية، وهو دار مربعة كبيرة من طابق واحد، تعيش قطط كثيرة، وتزورها قطط أكثر، فراحت ريما الصغيرة تركض ورائهن بين أعمدة النور وأرجل الأعمام وتحت الطاولة وفوق صراخ الخالات.
…..
أمسكتها الخالة كرتونة من ذراعها الرقيقة وطردتها من المطبخ بصراخ حانق: „ريما، كفّي عن القفز كجرادة“ فابتسمت والدتها برقّة وتناولتها نورا من يد الكرتونة الخشنة وأخرجتها من المطبخ بهدوء: إنه عيد المالا الذي تزورنا فيه الأم السوداء العظيمة، تخاطب الماما والخالات والعمات من الظلمة تعدهن بالنور، هدوء يا فراشتي، فهي تحب الأطفال“
“ والرجال؟“ سألت ريما كما تفعل في كل عيد، ومن دون أن تترك عملها بتجميع الخشب الصغير وكبش القرنفل ونجوم اليانسون في صرر صغيرة ستصبح بخورا بعد قليل أجابت „مّا“:“أكثر حماقة من أن تتحدث معهم الآلهة“. وتضاحكت الخالات اللواتي لا يضحكهن إلا عند ذم الرجال.
تُطرد ريما من المطبخ مع بقية القطط المختبئة في الخزائن وداخل أكياس الأعشاب القماشية البيضاء. تقطع الصالة راكضة لتخرج مع القطط من باب المنزل الأمامي كسرب حمام إلى المرج أمام البيت حيث الأرض مليئة بكل أنواع الدود، تحب ريما دود القز ذي الزغب الأسود الذي سيتحول لفراشات تحتفظ الشرنقة بسر ألوانها. آدم وآرام، يحبّان ملمس دود الأرض البني الكبير الأملس يعيش داخل التراب ولا عيون له ولا يبدو له ذيل من رأس، أولاد الأعمام يفضلون الحشرات: منير، جمال، وحسان يفضلون الصراصير الكبيرة ذات الدروع السوداء اللامعة، أيهم ابن الخال، الخال الذي هجر زوجته بحجة الحرب وتقول الأخبار الصغيرة والخبيثة أنه يعيش في بيروت بكنف راقصة وصاحبة خان يساعدها بإدارة زبائنه وبناته بين بيروت ودبي، يحب جمع النمل إذ كان يخاف أن يطأه أحد فيجمعه ويحرسه في جيبه متفادياً إبراً حديدية جديدة أن تلج قلبه الرقيق. كان قيس يكتفي بالفرجة عليهم، هو الأكبر منهم جميعاً، وكان يهوى إغراق الصيصان الصفراء الصغيرة في دلاء من الماء يملأها بعناية لأجل هذا.
أما الأخرس- أخو قيس الأكبر، كان ضخماً يقارب حجم رجل صغير، فيحسب تارة على الصغار وتارة على الأعمام، وفي كل اجتماع عائلي يحكي حكاياته، ويحكي أي أن يؤشر بذراعيه وعينيه وأصابعه وساقيه، ويضم ركبتيه لصدره ويتكور، ثم ينقلب على ظهره، ويعود ويقف ويشرع يديه للفضاء ويطلق صفيراً ويحوّم، ثم كان –ومهما شرح لهم في النهاية يحكي مشهد الرجل المقتول: فيمثل أن في يده مسدسا يوجهه إلى مكان يحرص أن يكون فارغا ويقول „بم“ ثم يمسك صدره مكان قلبه ويرخي أطرافه ويرمي برأسه إلى الوراء. فيضحك الصغار، وكان يسرً أنهم يضحكون.
تزعق الخالة دجاجة: “ أخبرتكم أن لا تدعوه يشاهد الأخبار.. حرام عليكم“
فتبتسم نورا وتغمز له بعينيها العسليتين، يربت „البابا“ على رأسه ويضحك، ويعبس والده، وترتجف والدته، فيقلب قيس شفتيه ويقترح عليهم الانضمام إليه لمشاهدة الصيصان وهي تغرق.
……….
„يالله تنام يالله تنام، لادبحلا طير الحمام“
يقلق وجود الصغار الكبار. وإذ ينسى الصغار وجود الكبار وقلقهم يزعقون منتشين بالحياة التي كشف عنها التراب. يصرخ أبو قيس –ولا يكنى باسم ولده البكر الأخرس- وهو الأطول والأضخم والأكثر زرقة بين الرجال: „أين أنتن… الأمهات المشغولات بجنونهن“
اهتزت زوجته كورقة شجر في الريح التي ولّدها صراخ زوجها، واهتز الأطفال كأوراق تلعب بهم ريح الصراخ. وأيهم يهتز دائماً، حتى من دون صراخ.
لا يحب البابا الصراخ، فشد كلاً من آدم وآرام من أذنه بصمت، بعيداً عن التراب، فراحا يتراقصان لإخراج أكبر عدد من الدود من جيوبهما قبل ولوجهما الدار.
لا أحد يشدها من أذنها، ريما، البنت الوحيدة في العائلة صاحبة عيون زرقاء وشعر أشقر ومنقى، لكنها كورقة شجرة صفراء صغيرة وقفت إلى جانب أم قيس وراحت ترتجف معها:
جزّت على أسنانها، فجزّت ريما. قبَضَت على الهواء في راحة يدها فقبضَت ريما، وشدّت فشدّت ريما.
يتعالى زعيق خالات المطبخ على خالات وأعمام الصالة:
„آزووول .. يا الله“
„.. مّالا تيفا ..“ تابعت الخالات الصراخ رافعات سواعدهن إلى أشباح السقف.
تتوسع عيون القطط عندما تصرخ النساء وتهرب إلى أبازيم النوافذ تطالع البشر بريبة كمن يتابع مستذئبين – كما حدث في الفيلم الذي حضرته مع أخويها بعد أن نام البابا والماما، وكان فيلماً عن المستذئبين، ليلتها بكى آدم وآرام فبكت ريما خوفهما، وخاف ثلاثتهم إن هم اقتربوا من التلفاز أن تعاقبهم الذئاب، وأن يوقظوا أهلهم فيعاقبهم الأهل، فراحوا يبكون بصوت مرتفع عسى أن ينقذهم الجيران.
هدأت الرياح كلها عندما هبّت نورا، انسحب الرجال من المكان واستراحت الأمهات والخالات والأولاد. بقيت ريما والورقة ترتجفان. ورقتا شجر مسمّرتان على الحائط.
„اهدئي، اهدئي“ أمسكتهما نورا فهدأتا.
…….
„ريما الحلوة بدا تنام .. لادبحلا طير الحمام “ تغني والدتها لهم في سرير رطب من ملابس عمة النور
„أريد الذهاب إلى البيت“ تبكي بصوت عال فيعلو صوت بكاء آدم وآرام.
“ أغمضوا أعينكم لتزوركم ملائكة النوم وتهديكم قناديل مضيئة“
“ سيكون هناك وحش“ بيكى آدم بصوت أعلى فيلحق به آرام كعادته.
„لا وحوش تقترب من غرفة عمتك فهي محروسة بأوراد“ فيزداد البكاء ويعلو النحيب أكثر مما تحتمل جدران الغرفة.
وراء الوالدة، عند الباب، طالعت الخالات البكّائين الثلاثة وقلبن شفاههن امتعاضاً وكأن لصوتهم طعم خراء.
في النهاية استنفذت ريما طاقة كل الكبار فانسحبت (مّا) و(البابا) مصطحبين (آدم) و(آرام) و(ريما) إلى المنزل في المدينة القريبة. تاركين خلفهم بقية أولاد الأعمام والخالات والرجال ومالا الرّبة السوداء. وصلت المنزل وبدا وكأنها نسيت البكاء. كانت سعيدة أنها ابتعدت عن قيس، يضع يده على الوردة بين فخذيها ويقرصها فيؤلمها ويأمرها بفحيح أن لا تحدث صوتاً، يدخل يده الأخرى داخل سرواله وتثقل أنفاسه وتتسارع ولا تحيد عيناه عن عينيها. لا تخافه ريما، بل تخشى إن أغضبته أن يؤذي آدم أو آرام، يدس يده في سراويلهما، فلا يبكيان بل يتلعثمان وكل مرة تسقط منهما الأحرف وبضع كلمات، كما حدث مع أيهم، مرة بعد مرة بعد مرة!
ريما، البنت الوحيدة في العائلة
ريما الشاطرة بقراءة الخوف والأسماء.

– Semimänner, Halbfrauen und ganze Hyänen. Ein VersprechenLesenوعدٌ بأشباه رجال، أنصاف نساء وضباع كاملة
– Das Herz eines Wolfs kochenLesenHörenأن تطبخ قلب ذئب
– Ein Kriegsbericht, der nicht traurig sein sollLesenحديث لن يكون حزينًا عن الحرب