Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

الأبواب أسيرةً

Abdullah Alqaseer
Bild zum Text von Abullah Alquaseer von Hala Namer (2019)
Image: Hala Namer (2019)

كان الوصول إلى محلات بيع المستعمل (التعفيش) في منطقة „دوّار الكبّاس“ في دمشق محفوفاً بالأفكار الخطيرة، ففي وقتٍ ليس بالبعيد كان هذا (الأوتوستراد مقطوعاً) لفترة طويلة بسبب الاشتباكات التي شهدها، وكان يمكن للناظر المتفرّس أن يشاهد عدداً من السيارات التي جَنَحَتْ عن الطريق حيث استقرّتْ مقلوبة أو شبه مقلوبة في المنحدر الذي شكّلته عمليات إنشاء الأوتوستراد، بعد ازدياد عمليات القَنْصِ التي تصطاد العابرين بسياراتهم بشكل متعمّد، أو جرّاء إصابتهم نتيجة تزامن مرورهم مع بدء جولة جديدة من الاشتباكات المتبادلة.

ومع تلك الأفكار القلقة حيناً والخائفة حيناً آخر، وصلتُ إلى تلك المحلات، ورأيت الكثير من الأثاث المسروق، الأبواب بأنواعها وأحجامها المختلفة، وكل باب يرافقه „الملبن“ الخاص به، والذي يتم تثبيته عادة في الجدار، وكل „ملبن“ لم يأتِ خالياً دون أن يحتفظ بقطعة من الجدار الذي كان بمثابة وطنه في وقت من الأوقات، فتجدُ قطعة إسمنتية من بقايا أحجار البناء معلقة هنا، أو من بقايا طبقة „الطينة“ التي تُغطى بها الجدران عادة، وعلى سطحها بقايا من لون طلاء الغرفة التي صُمم خصيصاً لها، أو مزق من ورق الجدران.

الأبواب الخارجية للبيوت، الخشبية منها والحديدية، بات لها في عدة مناطق متاجرها الخاصة، أراها مثل الحرّاس الذين أُسِروا في معركة، مثل جنود فشلوا في الدفاع عن بلادهم عندما باغتهم محتلٌ باغٍ، ظُلمتْ تلك الأبواب من قبل أصحابها، لأنها في المجمل كانت مُدرّبةً على رد اعتداء لصٍ تقليدي أو ثلة من اللصوص يريدون اقتحام المنزل لسرقة ما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وفي أسوأ الأحوال تواجه خاطفاً أو مجرماً، يخلع اللصوص أقفالها أو يتحايلون في الوصول إلى مفاتيحها أو باستخدام معدات أو مفاتيح تتقن الكثير من لغات المزاليج والأقفال وتستطيع التفاهم معها بسهولة ويُسْر، لكنها ليست معدّة ومجهزةً ومدرّبةً لتواجه دبابةً أو عربة دوشكا أو مدّرعة، أو جنوداً مدججين بالسلاح، في ثقافة تلك الأبواب توجد فكرة راسخة، وهي „ليس بالأقفال وحدها تُحصّنُ البيوت، بل بوجود البيوت المجاورة أيضاً“، بوجود عيون غير عيون أصحاب البيت، عيون وراء نافذةٍ مقابلةٍ أو على شرفةٍ مُطلّة أو في طريقٍ محاذٍ „عيون الجار للجار ولو بعد سابع دار“، لكن ما فاجأ الأبواب وأصحابها كان استباحة الحيّ بأكمله، الأحياء القريبة بكاملها، كل أحياء المدينة تقريباً، دون اكتراثٍ لأي عينٍ تراقب المشهد، لا في الأرض ولا في السماء.

كانت الأبواب الخارجية تُرصف في مجموعات، بعضها وراء بعض، وقسم إلى جانب آخر، مائلة، ومستندة على الجدار، تكسوها خيبة الحرّاس المهزومين، بينما تبدو الأبواب الداخلية للبيوت بألوانها وأناقتها ونعومتها مثل النساء الأسيرات في سوق السبايا، أبواب للمطابخ اقتُلِعتْ من روائح الأطعمة الشامية أو الحلبية الشهيّة، أبواب للحمامات تَحفَظُ كل العلامات المميزة في أجساد أصحابها العارية، أبواب غرف الأطفال التي تحمّلت الكثير من الضجيج الطفولي، ولعِبَتْ دورَ دفاترِ الرسم حين يَتركُ الأطفال فوق خشبها الناعم المصقول أنواعاً متعددة من الألوان والرسوم والشخبطات والشوكولا.
أبواب غرف النوم وما تخفيه من أسرار أصحابها، من الحب، الحميمية، فضّ البكارة، النساء المعنّفات، الرقص الشرقي، الجدل الزوجي، الخيانات، المثليّة، المرايا الكبيرة المسلّطة على الأَسِرّة، التأوّهات، زراعة الأطفال في الأرحام، والانسحابات التكتيكية قبل القذف.

ابتكرَ الإنسانُ الأبجدية لكي يخبر الأجيال اللاحقة بقصصه وإنجازاته ومعارفه وخبراته، لكي يكتب تاريخه صادقاً كان أم كاذباً، وها أنا اكتشفتُ أبجدية جديدة، ألا يستحق هؤلاء الناس الذين دُمرتْ ونُهِبَتْ بيوتهم وقتل منهم ما لا يعد ولا يحصى بسهولة، ألا يستحقون اهتماماً من أحد؟
قلتُ لزوجتي مرةً: „أرجوكِ، اعتبري نفسك متزوجة من عالم آثار، عالم آثارٍ لا يقتفي آثار الملوك وتماثيلهم، ولا يروي قصص قادة الجيوش وصنّاع الدول والممالك، إلا من زاوية ما فعلوه بالناس العاديين البسطاء“.
حوالي مئة صفحة وهو تقريباً نصف العدد الكلي لصفحات الدفتر الذي أسجّل فيه قصص أصحاب المسروقات، امتلأت بسيرهم ومعاناتهم ولحظاتهم الأخيرة، تركتُ عدة صفحات بيضاء بعد الصفحات التي كتبتُ فيها قصة „أم سليم“ على أمل إكمالها في حال وجدتُ السرير. وأظن أن كتابة كل القصص تحتاج مجلدات ضخمة: „مجموعة منشار كهربائي متوقف عن العمل منذ ثلاث سنوات وهي المدة التي انقضت على خطف النجّار، صاحب ورشة النجارة، دون وجود أي معلومة عنه حيّاً كان أم ميتاً“… „أقراص ليزرية لعرس أقيم فوق سطح بيت أهل العريس، الأغاني التي رقص عليها المدعوون من موجة التسعينيات، ولم يعد أحد يستمع إليها الآن“… „صحنٌ لاقط (ستالايت) لرجل متابع للدوري الإسباني، يشجع نادي برشلونة ويعشق ليونيل ميسي“… „منشر غسيل لامرأة تحلم أن يكون في بيتها شرفة صغيرة“.. „ستائر غرفة نوم يتخيل صاحبها أشخاصاً وراء كل نافذة من نوافذ الأبنية البعيدة المقابلة لشقته، يقف شاب ممسكاً منظاراً مقرّباً للتجسس على خصوصياته“… „عدد من حمّالات الصدر لامرأة استأصلت ثديها الأيمن وتجري فحوصات في مشفى البيروني لثديها الأيسر“… „ألبوم صور لأفراد عائلة لم تلامس أقدامهم شاطئاً بحرياً منذ تاريخ تلك الصور“… „طنجرة من منطقة كانت محاصرة، طبخ فيها أصحابها أوراق الشجر عدة مرات لعدم توفر المواد الغذائية“… „لوحة كتبت عليها آية الكرسي القرآنية بيد خطّاط لا يتقن العمل على برنامج الفوتوشوب، وينتظر انتخابات مجلس الشعب ومجالس الإدارة المحلية، بفارغ الصبر كي يعود إلى كتابة اللافتات وأجواء المهنة التي تكاد تنقرض“…“دزينة فناجين قهوة من النوع الفاخر لامرأة كانت تدّعي أنها تقرأ بالفنجان مستقبل كل من يقصدها، وكانت تقول لهم دائماً: القادم أحلى“ و“دزينة قمصان حمراء اللون، وهي نسخة عن قمصان نادي مانشستر يونايتد، كانت موجودة في بيت مدرب أحد فرق الأحياء الشعبية لكرة القدم، قسم من اللاعبين قُتل وقسم آخر اعتقل ومنهم مَنْ فرّ خارج البلاد، بعضهم قاتلوا مع جيش النظام، وبعضهم الآخر قاتلوا مع الكتائب الإسلامية“…………….

(نص من رواية كوابيس مستعملة_2018)

– Eine Lüge namens DeutschlandLesenكذبة اسمها: ألمانيا