Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

أنا أعتني بغربتي - الرسالة الثالثة

Übersetzung: Sonja Jacksch aus dem Arabischen

© private

لطالما فضّلتُ أن أكون الجُزءَ المُبهمَ من القصة، الجزء الذي يُغطيّه الظّلًّ لأطولِ فترةٍ ممكنةٍ، ولسنوات احتفظتُ وتحفظتُ على صفة الغريب التي جعلتني أبتعد عن استخدام الأسماء أو تجنب المناداة بها. وكأن ذلك يجعلني بطريقة ما، أشعر أنني بعيدة وآمنة عن معرفة الآخرين. لذلك فأني لا أجد الجواب على سؤالك عن المرحلة التي يكف بها الآخرون عن كونهم غرباء ممكنًا، كوني شخص قلّص صداقاته وتركها في الماضي، وأعيش الآن بلا صداقات تقريبًا، وبلا وسائل تواصل اجتماعي، بلا سؤال عن الآخرين وبلا انتظار سؤال أحد ما عني.

المعرفة كلفتني الخسارة، كلفتني الاشتياق والندم، كلفتني الخوف من إقحام أشخاص جدد في حياتي في المنفى.

أكتفي الآن بالمعرفة السطحية للأشخاص وعدم التعمق في حياتهم أو محاولة فهمها لإن ذلك كله يندرج في إطار التقارب الذي أحاول جاهدة الابتعاد عنه وتحاشيه. ربما يؤكد هذا رؤيتك بطريقة أو أخرى على أن المعرفة بالأشخاص لا يعود مفعولها ساريًا بمجرد أن يفرش الزمن مسافته بين الناس.

أشكرك على رسالتك وأهنئك لأنك نجحت في عدم التعلق بالمدن والأماكن، الشيء الذي أزعم أنني أحاول تعلمه.

أريد ببساطة أن أمضي الأيام بخفة، أن أهاجر من دون التعلق بالأماكن والأشخاص، أريد أن أعتني بالكتب والأزهار والكلمات. هذه المرة سيكون الأمر أقل صعوبة عن ما كان عليه عندما غادرت العراق رغم أنني بنيت مكتبة في البيت مما يوحي إنني أهيئ نفسي لبقاء طويل..

رؤيتنا للغربة تشبه قراءة كتاب من فصول مختلفة. الغربة بالنسبة لك شيء عليه أن يحدث ولو لمرة في حياة الإنسان والغربة بالنسبة لي هي خروجي من العراق دون أن يكون لي الحق في التفاتة أخيرة، ربما لو لم أغادر على نية العودة بعد أسبوعين، لو كنت أعلم منذ البداية إنها أيامي الأخيرة هناك وإنه علي وداع ما أريد بالطريقة التي تليق، لكُنّا الآن نقرأ الفصل ذاته.

الغربة بالنسبة لك تجربة وحاجة إنسانية، والغربة بالنسبة لي جرح لم أداوه أو لم أعرف التعامل معه إلى الآن..

„بدت له الأرض برية مفتوحة فانتشر فيها“

هكذا قال الشاعر حسن نجمي عن الشاعر العراقي سركون بولص حين قابله في سان فرانسيسكو، تذكرت هذا وأنا أقرأ رسالتك وكلماتك المؤثرة عن سوريا. نحن أيضا، بدت لنا الأرض برية مفتوحة فانتشرنا فيها حاملين على الأكتاف ذاكرتنا الثقيلة، ذاكرةٌ تزداد ثقلًا أثناء تنقلنا من يوم إلى آخر، كأن مواصلة العيش بعيدًا عن الحرب ذنبٌ نُعاقب عليه بالمزيد والمزيد من التفاصيل التي أكل عليها الزمن وشرب، تفاصيل وصور تذكرنا بحقيقة أننا ما زلنا هناك، لكننا جسديًا، نقيم هنا، لا نستطيع أن ندعو هذا بالحنين بل بالحقيقة المطلقة، حقيقة أننا جزء من الحياة هناك، جزء لا يتجزأ من الأبنية والشوارع والأشخاص.

الشيء الجيد! أن هذه الذاكرة هي المغذي الوحيد للكتابة، نحن بفعل الكتابة، مثل طفل ورطته الأنظمة القمعية والحروب بحمل طاسة مليئة بالماء وقالت له: اركضْ، إلى حيث تريد،  بشرط أن لا تسقط قطرة. ذلك الطفل سيستمر بالركض من مدينة إلى أخرى، لا يرى المتغيرات حوله، لأن عيونه ستكون على الطاسة! يريد أن يستمر بالغرف من الماء الذي لا ينتهي دون أن تسقط قطرة واحدة على بلاطة النسيان. هذا  إرث البلاد لأبنائها.

ما من حنين أو انتماء لأي مكان لأننا بكل بساطة „نعيش حرفياً في الماضي“. ننتمي إلى هناك، ولا نحنُ اليه، لإننا: لم نغادره أصلا، بالتالي محاولة الكتابة عن تلك المدن أمر سهل! يمكنني أن أكتب لك عن بغداد كما أكتب عن راحة يدي، علينا مغادرة تلك المدن أولا لنكتب شيئًا قيماً يحيط بمكانتها وثقلها التاريخي، إن كل ما نكتبه حاليا عن بغداد أو دمشق نكتبه وكأننا مازلنا داخلها.

أقول نحن لأنني أؤمن أننا بالمعنى البيولوجي أبناء أعراق وثقافات مختلفة ولكن بالمعنى الآني أنتجتنا  ماكينة الحرب بمشاعر وأحاسيس ومفاهيم واحدة.

سوريا في ذاكرة الشخصية العراقية هي المأوى الذي طالما كان حاضناً للعراقي المعارض والهارب من سياط الحصار والنظام الدكتاتوري آنذاك، أقول لك وبكل صدق كنا كمن يحاول أن ينتصر على حريق صغير داخل منزله ويرى من النافذة النيران تحيط بيته وبيت جيرانه. هذا ما أصابنا بعد حرب سوريا؛ نيران تحيط بمدن لطالما مشينا في شوارعها أكلنا من خبزها وزيتونها. شاركنا أهلها السكن لسنوات طوال.  نيران تحيط قصائد نزار قباني، محمد الماغوط، أدونيس ورياض الصالح الحسين وغيرهم، قصائد غنتها بغداد وقرأها العراق في شارع المتنبي. كل هذا يطرح هذا السؤال؛ كيف سينمو الأمل في شخص حُرق مأواه؟

أشعر بالأسف على مدن تغيرت ملامحها قبل أن أزورها، مدن تعرفت على ملامحها من خلال الذين عادوا والذين غادروا إلى بلاد أخرى. عرفت سوريا مع بداية تساؤلي عن الشعر، عرفت سوريا من قصائد نزار قباني ورأيت الياسمين الدمشقي يعرّش على جدران منازلها. أستطيع أن أجزم لك انني كنت أشم رائحته في الكلمات.

في مقابلة تلفزيونية للشاعر العراقي سعدي يوسف حين سُئل عن الحنين أجاب: عندما انتصرت على الحنين استقام ظهري. أعتقد أن ظهر الشاعر لا يستقيم حين ينتصر على الحنين، بل حينما ينتصر على نفسه وهذه الأخيرة تعيش هناك في تلك الشوارع في تلك البنايات، في أعماق الماضي إلى الأبد.

رشا القاسم

15.10.2022

Autor*innen

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner