Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
> Einfache Sprache Jetzt Spenden
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Briefwechsel Syrien & Ukraine > Baara Altrn & Oksana Stomina > Weißt du, dass wir beide in unseren Herzen dieselbe Wunde haben und denselben barbarischen Feind? | Brief 3

هل تعلم أننا نحمل في قلوبنا نفس الجرح؟

Eine überwucherte und zerbombte Straße in Damaskus, auf der ein Mann über den ungepflasterten Boden geht. An overgrown, bomb-damaged street in Damascus, with a man walking along the unpaved ground.
© Baraa Altrn; “I am attaching a photograph of my friend,my husband, as he walks through his hometown of Daraa, the place known as the birthplace of the Syrian revolution, after the end of the military operations. The destruction lies openly within the image. For me, it condenses into a feeling of repetition and stasis: the same rubble, the same devastation.”

عزيزتي أوكسانا

وصلتني رسالتك وأنا في قمة العجز والحزن، لم تتوقف آلة القتل في سوريا بعد، سقط النظام، رحل الديكتاتور، لكن البلاد لم ترجع، السوريون لا زالو يموتون، الدم في كل مكان، رائحته ترهقني، وتذكرني طيلة الوقت أننا فقدنا فرصة ذهبية لبناء الوطن، تسربت من بين أصابعنا مثلما تتسرب الرمال من بين أصابع طفل يمرح على شاطئ ماريوبول، مدينتك الحلوة التي أتمنى لها السلامة، والنجاة.

سأصدقك القول، حين شرعت في قراءة رسالتك كان لي وجهاً بلا ملامح، وقلباً خفتت عاطفته، حين انتهيت كانت دموعي المرّة قادرة على إطفاء حرائق، وإشعال أخرى. لم أتوقع أن تهزني رسالتك إلى هذا الحد، لكني ما إن عرفت بأسر زوجك، وتدمير مدينتك، وقتل أطفال كثر في بلادك حتى تذكرت مدى ضآلتنا على هذه الأرض.

تعرفين يا أوكسانا ما يؤلمني أكثر؟ أن العالم الذي تسمينه أنت بـ ”العالم الديمقراطي“ لطالما نظر إلى مناطق النزاع المسلح بعين فارغة، يرى مواطنيها أرقاماً، ضحايا بلا وجوه، بلا هوية، وبلا فردانية، كلنا مثل بعض، وكلنا بلا قيمة مضافة، مجرد خسائر حرب كان يمكن تجنبها.

لقد كان هذا خوفي الأعظم طيلة المأساة السورية: أن أفقد وجهي، أن يفقد أحبتي أسماءهم، أن نصير خبراً عاجلاً في وسيلة إعلامية، أو تقرير منظمة غير حكومية.

الموت واحد أنّى كان، الأطفال يموتون في أوكرانيا، يموتون في غزة، ويموتون في سوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، والكونغو، هذا شيء أعرفه، وتعرفينه، لكن هل يعرفه ”العالم الديمقراطي“، نعم، يعرف ويدفع ثمن الرصاص والصواريخ البالستية والصمت الذي يخترق أجسادهم الهشة الضئيلة!

البارحة كنا نحضر وثائقياً عن صناعة الموت في سوريا، صديقي الذي عمل مسعفاً في الهلال الأحمر لما يزيد عن خمس سنوات، أخبرني أن الإنسان يفقد قدرته على التعاطف بعد أن يحمل أكثر من جثة في اليوم الواحد، وأن مخزون المشاعر الإنسانية قد ينفذ حين يصير الموت روتيناً من روتينات المهنة. أخالفه الرأي، ربما لأني لم أحمل ميتاً على كتفيّ، ولم يمت أحد بين ذراعيّ، وربما لأنه مخطئ بكل بساطة، يظن أن مخزونه نفذ، لكنها مجرد آلية دفاعية ليحافظ على عقله في ظل هذا الجنون، صديقي نفسه يتابع نشرات الأخبار طيلة الوقت، ويبكي موت الأطفال، وعجز الأفراد عن إيقافه.

بحثت عن ماريوبول عبر الانترنت، نظرت ملياً في مقاطع الفيديو، وتهت في الصور بعد الحصار والقصف، هل تعلمين أن في قلبينا جرح واحد؟ ولنا نفس العدو الهمجي؟ لقد فعلت روسيا في بلادي ما فعلته في بلادك، دمرت الطائرات الأبنية بالطريقة ذاتها، بدت الأبنية في صور ماريوبول متشابهة إلى حد كبير مع صور حلب وريف دمشق، نفس الحطام، نفس الدمار، نفس الوجوه، ونفس القتلة!

 ثم أخذت نفساًَ عميقاً، وغيرت الجمل التي أكتبها في مربع البحث، سرح بي الخيال في صور ماريوبول قبل الحصار والقصف، بحرها، شوارعها، وأبنيتها، شعرت بألفة غريبة، كأني كنت هنا، كأني أعرفك، أنت صديقتي، أعرف بلادك، آتي لزيارتها كل صيف، أعرف كيرا غلودان، أنيا سوداك، صوفيا، ديما باناسينكو، وروما بولون، وبوهدان بيليبينكو، أعرفهم أطفالاً أحياء أصحاء، في إحدى زياراتي سهرنا تحت ضوء القمر، لعبنا لعبة الغميضة، وعند نهاية العد كنا موجودين جميعاً، لم ينقص منا أحد، لم يمت أحد، ضحكنا كثيراً، أكلنا طعاماً شهياً، تأرجحنا على تلك الأرجوحة الكبيرة المطلة على بحر آزوف، وكنت أحمل في أحشائي جنيناً صغيراً، سيكون فتاة، أسميها ليلى.

حين كتبت أنك ما زلت سعيدة بكونك امرأة، وتريدين أن تولدي امرأة في كل مرة، لتنجبي حياةً جديدةً في هذا العالم، تذكرت رسالتي الأولى، وكل ما كنت أتمنى أن أكونه، خجلت قليلاً، أنا أيضاً سعيدة بكوني امرأة، وأريد أن أولد امرأة في كل مرة، وأريد أن أنجب حياةً جديدةً في هذا العالم، وهذا سر لم يعرفه أحد بعد!

لطالما قلت أني لا إنجابية، ولطالما اقتبست أسباب عزوف بطل رواية ”فالس الوداع“ عن الإنجاب، قدمتها على أنها أسبابي أنا لا أسباب ميلان كونديرا، في الحقيقة لم أرغب يوماً في أن أكون أماً، هذا عبء لا يمكنني احتماله، هذا حب لا يمكنني السيطرة عليه، أخشى أن ألد طفلاً وأخسره، إن حصل هذا أين سأذهب بالحب الذي أحمله له؟ وكيف سأتمكن من احتمال الألم الذي يعصر القلب؟

ليلة سقوط نظام الأسد شعرت أن في قلبي متسع لحياة أخرى، في جعبتي حب يكفي لأتقاسمه مع إنسان جديد، وفي جسدي صلابة تحتمل الألم والعصر، للمرة الأولى أرغب في أن أكون أماً، أرغب أن يكون لي طفلة تكبر أمام عينيّ، أحكي لها قبل النوم حكايات الثورة والحب: كيف قاوم السوريون الظلم والقهر لسنوات طويلة، وكيف انتصرنا في نهاية المطاف، وأقصد بانتصارنا مثلما تقصدين: انتصار الخير على الشر. إذ لنكن صريحين، كم مرة في الحياة يتاح للإنسان أن يشهد سقوط الطاغية؟

لكن وللأسف لم يلبث هذا الشعور أن اختنق داخلي، امتلأ الفراغ -الذي أتيح لي للحظات- بصور الأطفال الموتى من جديد، صار صدري مقبرة جماعية، وصار كل ما في ذهني صورة طفلتي وهي تختبئ في الممرات والملاجئ من الموت المحتم، تسأل نفسها: لم حظي قليل؟ لم خلقني الله هاهنا؟

عزيزتي أوكسانا، لقد كتبت ومسحت، وكتبت ومسحت، عشرات المرات، وهذه الرسالة هي الأقل سوداوية وحزناً من كل مرة، لذا سأعتمدها في النهاية.

ليتني أستطيع أن أقول لك كلاماً ألطف، كلاماً أخف كآبة، ليتني أستطيع أن أمد ذراعيّ إليكِ وأحتضنكِ أينما كنت الآن.

لم حظنا قليل؟ لا أعرف، لكني أعرف أن كل الآلام التي اضطررنا لتجربتها، كل ما مررنا به، وكل ما مر بنا، صنعنا، جعلنا على هذه الصورة التي نحب، بهذه الشاعرية، وبهذه القدرة غير المتناهية واللا محدودة على الحب.

إلى أن أتمكن من لقاءك، إلى أن أتمكن من التربيت على كتفك، أرسل لك قبلاتي ومحبتي.

أتمنى أن تكوني بخير، أتمنى السلامة لكِ ولعائلتك، أتمنى الحرية لبلادك، أتمنى الحرية لبلادي، ولكل بلاد العالم.

أتمنى أن يحل السلام في كل مكان.

إلى أن يحين ذلك اليوم، يكفيني أن أؤمن بأننا نستطيع الحب، مهما كَثُر الموت، وطالت الحرب.

Autor*innen

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner