Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
> Einfache Sprache Jetzt Spenden
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Briefwechsel Syrien & Ukraine > Baara Altrn & Oksana Stomina > Ruinen sind Zeugen, die nicht lügen, sie entlarven die Täter | Brief 5

الخراب شاهدٌ لا يكذب

„The photo I’m sending, which I took at a market in Syria, shows a shop that has remained open despite the severe destruction of the building caused by military operations.“© Baraa Altrn

عزيزتي أوكسانا

أتمنى أن تكوني بخير، لقد بت أشعر أني أعرفك جيداً، وأننا نتشارك الكثير من الصفات والقواسم الخفية، لذا أظن أني أفهم نوع الألم الذي يعتريكِ وأنت تكتبين رسالتك، وأدرك الحزن الذي ينهش قلبك وأنت تحاولين القبض على مشاعرك بالكلمات، لا سيما حين كتبت ”أفكّر أحياناً أنه كان ينبغي، في مراكز المدن التي شهدت حروباً، ألا تُقام نُصُب تذكارية أو متاحف جديدة، بل أن تُترك شارع أو ساحة أو حيّ كامل على هيئته من الخراب“.

إنه الخراب، الكلمة التي لطالما وقفت عندها في كل ما كُتب عن البلاد المدمرة، الكلمة التي تكسر قلبي دائماً، وتدفعني إلى تأمل يبدو ساذجاً: في اللغة العربية كلمة ”خراب“ اسم، مصدره ”خرب“ وهي نفسها كلمة ”حرب“ الفرق بينهما نقطة واحدة توضع على الحرف الأول من الكلمة الأولى، ثمة رمزية قاسية في هذا أليس كذلك؟

هل تعرفين حرباً واحدة لم يتبعها خراب؟ مستحيل، لا توجد حروب تترك الأشياء على حالها،  لكن ما لا أستطيع فهمه: كيف يمكن لانسان في لحظة ما أن يحيل بلاداً بأكملها إلى خراب؟ وكيف لا يشفق قلبه في لحظة ما على كل تلك الذكريات المسحوقة، والأرواح المسلوبة، والجدران المهدمة بفعل ما فعل!

أعرف أن الجدران لا تُقارن بالأرواح، لكني أؤمن أن لكل الأشياء أهميتها إذا ما حل الخراب، كل الأشياء، من روح طفل قتلوا عائلته وتركوه وحيداً في هذا العالم، إلى شرفة في بيت أصابته قذيفة صاروخية فأحالته رماداً، الأشياء يجب أن تبقى على حالها، ولا يحق لأي أحد في هذا العالم أن يسلب طفلاً والديه، أو أن يحرم عائلة من أطفالها، أو أن يدمّر بيتاً، أو حتى شرفة كانت تطلّ يوماً على حياة عادية.

تعرفين، حين كتبت عن الذين تعرضوا للتعذيب في رسالتك، أزاحت كلماتك قشرة طفيفة كانت قد تشكلت فوق جرح طازج في روحي، لقد عذب نظام الأسد زوجي، اعتقلوه، اقتادوه إلى أقبية الموت، ضربوه، وصعقوا جسده بالكهرباء، ولا ينبغي للكهرباء أبداً أن تدخل أجساد من نحب، فإنها حين تفعل تسلب منهم ثقتهم بالعالم، وتترك حروقاً لا تلتئم. بالتأكيد زوجي ليس الرجل الوحيد الذي فعل به النظام هذا، لكن زوجي نجا -لله الحمد- على عكس كثيرين لم يعرف أحباءهم مصيرهم حتى اليوم. كثيرين أفكر فيهم كل يوم.

قبل عام خضعت لعملية جراحية بسيطة، صححوا لي انحراف الوتيرة في أنفي، وكسروا عظمة وأعادوا ترتيبها، كنت مخدرة بالطبع، وحين استيقظت أعطوني الكثير من مسكنات الآلام كي لا أحس بشيء، لكني تألمت، رغم كل الأدوية تألمت، وتورم وجهي، وازرقت عيناي، وبقيت على هذه الحالة ما لا يقل عن شهر، لماذا أخبرك عن هذا الأمر؟

عام ٢٠١٢ داهم عناصر الأمن منزل أحد أقاربي، كانوا يبحثون عن ابنهم الأوسط، والذي كان في مثل عمري، أي سبعة عشر عاماً يومها، وجدوه، حاولوا اعتقاله، قاومهم بدافع غريزة البقاء لا بالشجاعة، فضربوه بأخمص البندقية على وجهه، كسروا عظمة أنفه، وأخذوه بعيداً والدماء ترسم وراءهم خيطاً من الحرقة والقهر.

أفكر في هذا الشاب كل يوم منذ أدركت مدى الألم الذي يسببه كسر عظمة في منتصف الوجه. يا إلهي كم تحمّل، وكيف تحمّل، هذا العنف الهمجي غير المخدر!

لم نعرف عنه أية معلومة، قيل أنه قُتل تحت التعذيب بعد ثلاثة أيام فقط من اعتقاله، وقيل أنه لم يمت، تضاربت المعلومات، سمعت أمه تحمد الله أحياناً على أنه لم يتألم لأكثر من ثلاثة أيام، وسمعتها أحياناً تتمنى أن يكون حياً، تمنت الكثير من الأمنيات على مدى اثني عشر عاماً، وحين سقط نظام الأسد وفُتحت أبواب المعتقلات والسجون، لم تجد له أي أثر، لا أوراق، ولا حتى عظام.

لم أكن أريد أن أكتب لك كل هذا، كيف انجرفت؟ لقد قرأت رسالتك قبل عدة أيام، ليلة رأس السنة الميلادية، وأنا أفكر في كل ما حدث في عام ٢٠٢٥، وكل ما لا أتمنى حدوثه في عام ٢٠٢٦، عند منتصف الليل صعدت إلى سطح البناء، شاهدت الألعاب النارية، وتمنيت مثلما يتمنى الأطفال قائمة طويلة.

تمنيت ألا يُعذب الناس، ألا تسري الكهرباء في أجسادهم، ألا تُكسر عظامهم، ولا أضلاعهم، ألا تُقلع أظافرهم، ولا أسنانهم، ألا تُغتصب النساء، ولا تُقطع أوصالهن، ألا يُضرب أحد، لا أحد على الاطلاق حتى أولئك الذين عذبوا، وكسروا، واقتلعوا!

تمنيت أن تأخذ العدالة مجراها، أن يحل السلام، وأن يُحاسب الظالمون والقتلة بالقانون، لا بالأسلحة، ولا الدبابات، ولا المدفعية. تمنيت أن تتوقف أنهار الدماء المنسكبة، وأعرف أنها أمنيات بلهاء، وأعرف أن القانون لا يفي بالغرض لكن ماذا أفعل؟ أتمنى أن يحل الخراب أكثر؟

تذكرين رغبتي بالانجاب التي حدثتك عنها في رسالتي السابقة؟ إنها رغبة تنمو كل يوم، أفكر في الطفل الذي سأنجب، وأتساءل: أي ذاكرة سأمنحه إن تمنيت غير ذلك؟ أي وطن سأضع بين يديه إن طلبت العنف مقابل العنف؟ أي عالم سأمنحه؟ عالم لم يتعلم بعد كيف يعتذر عما فعل؟ ولا كيف يتوقف عن تكراره؟ ومع ذلك، ثمة عناد صغير في قلبي يقول إن الأطفال لا يولدون ليحملوا ثقلنا، بل ليذكّرونا بأن المستقبل لم يُغلق بابه تماماً.

ربما لهذا أحببت فكرتك عن ترك الخراب كما هو. ليس تمجيداً للألم، بل اعترافاً به. الخراب شاهدٌ لا يكذب، يفضح الجناة حين تحاول الكلمات أن تُجمِّل، ويمنح الضحايا حقاً بسيطاً: ألا يُمحَوا مرّتين.

عزيزتي أوكسانا، بعد رسالتكِ، شعرت أن الكلمات أصبحت أضيق من أن تحتوي كل هذا الشر، وكأن اللغة نفسها تقف مرتبكة أمام ما وصفتِه. ومع ذلك، أحب أن نكتب. نكتب لأن الصمت هو أول انتصار للجلاد، ولأن التسمية – كما قلتِ – فعل مقاومة.

تعلّمت من بلادي وبلادك، أن عدم الرغبة في الحرب لا تحمي أحداً، وأن الحياد في وجه الوحشية تأجيلٌ للألم. الشر لا يحتاج إلى تبرير كي يتمدّد، يكفيه أن يُترك بلا مواجهة، بلا تسمية، بلا ذاكرة.

ربما لن نستطيع أن نمنع الحروب، ولا أن نعيد الموتى، لكننا نستطيع على الأقل أن نترك أثراً صادقاً عما حدث، أن نُبقي الخراب مرئياً، وأن نقول بصوت عال وواضح إن هذا لم يكن خطأ، ولا قدَراً، ولا سوء فهم. كان جريمة.

أحتضنكِ من بلدٍ آخر جُرِح بالطريقة نفسها، وأؤمن مثلكِ أن الشهادة ليست ضعفاً، بل آخر أشكال العدالة حين تتأخر العدالة.

 أكتب لكِ وأنا لا أملك إجابات، لكني أملك يقيناً واحداً: أن الكتابة نفسها شكلٌ من أشكال النجاة، وأننا حين نروي ما حدث، نعيد ترتيب العالم على الورق، ونمنح قلوبنا مساحة صغيرة لتتنفّس. إن كان الخراب قد علّمنا شيئاً، فهو أن نتمسك بما تبقّى من إنسانيتنا، ولو كان هشّاً، ولو كان مجرد كلمات تُقال في رسالة بين امرأتين تحاولان ألا تنكسرا تماماً.

لقد تمنيت ليلة رأس السنة لكِ ولكل الضحايا الذين ذكرتيهم في رسالتك، مثلما تمنيت لكل من أحب: العدالة ثم العدالة ثم العدالة، وحياة سعيدة، هنيئة، هادئة، نشفى فيها من جراحنا وآلامنا وبلادنا، تمنيت عاماً مقبلاً مليئاً بالحب، خالياً من العنف، والألم، والخراب.

إلى أن نلتقي..

براءة

Autor*innen

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner