
أود أن أكتب لك قبل أي شيء عن شيء يأكل رأسي، شيء أفكر فيه كل الوقت، وأرغب فيه بشدة: في يوم ما، ربما بعد أسبوع، وربما بعد ثلاثين عاماً أنى يكن أتمنى أن يقول الناس -لا سيما الرجل الذي أحب- حين يمر اسمي في حديث عابر: لقد كانت امرأة فرحة، مليئة بالنشاط، والحيوية، امرأة لا تغيب ابتسامتها، امرأة جميلة، مشعة، مثل شمس، لها وجه وديع، وعينين لوزيتين ورثتهما عن أبيها، امرأة محبّة، وحنونة مثل مرهم على حرق، وأعرف أن هذه الأمنية صارت شبه مستحيلة، ولا تتفق مع ما صرت عليه الآن، لكن ألم يكن ما يشتهيه الإنسان ويرجوه هو معنى الأمنية؟
أتمنى أن أكون اللون الأصفر، أو الفساتين الموردة بأكمام مزركشة، أو ربما أحواض الزريعة على شرفة أمي، أتمنى أن أكون زهرة برية، أو نبتة غاردينيا، قطة أليفة، أو نبع ماء، حبة بن متوسطة، أو وجبة عشاء خفيفة، نافذة مفتوحة على جبل، أو هدية مغلفّة، ساعة عتيقة، أو خاتم جدّة، مقطوعة موسيقية، أو آلة بيانو في بيت امرأة ثرية، أتمنى أن أكون أي شيء، كل شيء، لا شيء. المهم ألا أكون أنا، امرأة عادية الملامح، متوسطة الطول، متوسطة الوزن، ومتوسطة الجمال، من بلاد بعيدة، يكرهها الجميع، ويريدونها حد القتل، ربما لا تعرفين اسم بلادي إلا من نشرات الأخبار، وتقارير الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن، وربما لا تعرفين إلا أنها صارت عبئاً، وحملاً ثقيلاً على أكتاف هذا العالم!
دعك من بلادي الآن، لأحدثك عني: أتمّ الثلاثين من عمري بعد شهر، وحتى الآن لم أعرف ماذا سأصير في المستقبل، أو كيف يمكنني التعريف عن نفسي، خاصة وأني درست الحقوق عن غير رغبة، في سوريا لا يمكنك اختيار الفرع الذي تودين دراسته دون تدّخل من الحكومة التي تحدد معدلات كل كلية على حدة، كنت أحلم أن أكون صحافية، كان هذا الحلم الثابت الوحيد في حياتي، لكن علامة من أصل ٢٢٠ علامة حالت دون دراستي للاعلام، وغيّرت مساري المهني إلى منحى آخر، حاولت العمل كمحامية لكني لم أكن جديرة بهذه الاجراءات المعقدة، كان النظام القمعي السابق ببطشه، وفساده يستحق محامية أقل مني إيماناً بحقوق الإنسان، بالمناسبة هذه جملة كليشيه يقولها -عادةً- الرجال السامين للنساء حين يرغبون في الانفصال عنهن بأقل الخسائر، وكنت سمعتها كثيراً حتى صارت دعابتي المفضلة. قبل عام ونصف تقريباً، صرت عاطلة عن العمل، وأود أن يكون هذا الوضع حتى اشعار آخر. أقضي طيلة يومي في البحث عن عمل، والوقت الذي أفقد فيه الأمل أقضيه في السوق، أشتري ملابس أوروبية مستعملة، عادة بناطيل سوداء أو سكرية اللون، قمصان سادة فضفاضة، وأحذية رياضية بنصف عمر، أحمل حقيبة ظهر ثقيلة، تسبب لي ألم دائم، فيها ”لابتوب“، وشواحن، و“باور بانك“، وأدوية كثيرة، للاكتئاب، والالتهاب، والقلق، وألم الرأس، أجلس وحدي في مقهى لم أغيره منذ أكثر من عشرة أعوام، لأني أخشى الأماكن الجديدة، والغرباء، والوحدة، في المقهى درست، وتخرجت، وعملت، وقاومت بفنجان قهوة سنوات الذل، والقهر، والموت، حين تعرفت على المقهى كنت طالبة في السنة الأولى الجامعية، وكنا مجموعة من تسعة أشخاص، ثم تناقص عددنا بالتدريج، إلى أن صرت أجلس وحدي، دون أصدقاء، كلهم هاجروا، ولم يعد منهم أحد بعد.منهم من كان مجبر على ذلك، لم يكن عنده خيار آخر، حياة محفوفة بالمخاطر، حرية مهددة بالاعتقال، بيوت مهدمة ومقصوفة، وكرامة منتهكة وممسوحة، إما النجاة أو التهلكة. ومنهم من كان عنده بضعة خيارات، قليلة لكنها موجودة، في المحصلة جميعهم كانوا أكثر مني شجاعة، استطاعوا أن يرموا كل شيء وراء ظهورهم، ويبحروا في المجهول من أجل مستقبل أفضل، وأنا للأمانة أحسدهم كثيراً، أولئك الذين ذهبوا، ومنحوا أنفسهم فرصة جديدة، حياة جديدة.
قليلة هي الاقتباسات الأدبية التي أحفظها عن ظهر قلب لكن ثمة مقطع كتبه أمين معلوف في روايته ”التائهون“ يقول: ”لو لم يمت أي واحد منا، لو لم يخنّ أي واحد منا، لو لم يتغرب أي واحد منا، لو لم نصبح أضحوكة العالم، وهاجسه، وفزاعته، وكبش فداءه“ أحفظه، وأفكر فيه، لو لم يحصل كل ذلك كيف كان سيكون شكل حياتي؟ لو كنت أكثر حظاً، لو كانت بلادي أكثر حظاً، لو لم أعرف ثمن الثورة، ومعنى الموت، وطعم الدم، لو كانت الحياة أبسط مما هي عليه الآن، لو كانت الحرية كلمة عادية لا يُقتل من أجلها أحد، وأعرف أني لست الوحيدة التي أفكر بهذه الطريقة، ربما أنت أيضاً تفكرين كيف كانت ستكون حياتك لو لم تقم الحرب في بلادك، وأود سؤالك عن الأمر، عن جرح الوطن، وخسارة العمر، وتفاصيل حياتك اليومية، فيم تقضين يومك الآن؟ وما الذي يأكل رأسك؟ هل صرتي ما تتمنين؟ هل أنت امرأة سعيدة؟ ما هو حملك الثقيل؟ أخبريني، من تحلمين أن تكوني حين يُذكر اسمك؟


