Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
> Einfache Sprache Jetzt Spenden
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Briefwechsel Syrien & Ukraine > Zein Khuzam & Svitlana Oslavska > Wo bist du, Zuhause, und wo liegen deine Grenzen? | Brief 1

أين أنت أيها البيت وما هي حدودك؟

العزيزة سفيتلانا،

© Zein Khuzam, “The home I left behind, my first haven in Damascus.”

تحية

أكتب إليك الآن من على أريكتي الخضراء في دمشق. والساعة قد بلغت الثانية بعد منتصف الليل. وحدي في الصالون، قطّي الرمادي الصغير ممدّد أمامي، قلما يرفع رأسه أو يحركه الفضول.

منذ اللحظة التي عرفت فيها أنني سأراسل كاتبة أوكرانية، كان ثمة سؤال واحد يلح عليّ: هل سرقت منك الحرب „بيتك“؟

أعيش في سوريا منذ ولادتي، ولم أغادرها طوال سنوات الحرب التي لا أعرف حتى الآن إن كانت قد انتهت فعلًا أم أنها غيّرت وجهها فحسب. طوال سنوات الحرب ظللت أطارد فكرة „البيت“؛ المكان الذي يمنح الأمان والانتماء.
ورغم أن بيت عائلتي لم تدمره الحرب إلا أنه فقد معناه كبيت بالنسبة لي، رغم أن جدرانه وأسقفه ما تزال واقفةً.

عندما سقط النظام اجتاحني، كغيري، شعور جارف بأن مرحلة مظلمة طُويت. لكن الأمل سرعان ما تفتّت مع بداية المجازر في الساحل، على يد قوى مسلّحة رديفة للحكومة المؤقتة. مجازر جديدة… وجدران البيت تنهار من جديد.

كثيرًا ما أسأل نفسي: هل هذا إحساس يخصّنا نحن السوريين وحدنا؟ أم أن كل من عاش الحرب يعرفه؟ هل تشعرين أيضًا أن بيتك مهدَّد، وأنك مضطرة في كل مرة لإعادة تعريفه؟

بدأت أدوّن ملاحظات لهذه الرسالة منذ اليوم التالي لوصول الدعوة. في تلك الأيام كنت قد بدأت عملي الجديد كصحفية ومصوّرة في „الجمهورية“. بعد أيام قليلة وقع تفجير انتحاري في كنيسة بدمشق. ذهبت للتغطية، بالكاميرا والمقابلات.

في اليوم الأول للتفجير تخدرت مشاعري. لم أشعر بشيء. قلت في نفسي كمن يتهرّب: „أمر كهذا متوقَّع بعد أن استلمت جبهة النصرة الحكم“. لكن في اليوم التالي دخلت الكنيسة لتصوير التشييع. وجدت بيت الرب وقد ملأته أكاليل الورود وثقوب صنعتها الشظايا. رائحة الدم نفّاذة، ساخنة، مؤلمة، ممتزجة بمعطّر أرضيات رخيص. لحظة لا أظنها ستمحى من ذاكرتي. يومها صوّرت وأنا أبكي. عندها فقط أدركت ثقل ما جرى، وعاد سؤال „البيت“ يطاردني من جديد.

مرّ وقت طويل قبل أن أتمكّن من استيعاب ما حدث. ثم جاءت مأساة السويداء، وعندما شاهدت مقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل، شعرت بأن قلبي يكاد ينكسر: بيوت تُحرق، أشخاص يُخطفون ويُرمون من الشرفات، والدماء تملأ المكان، والمجتمع في أعلى درجات الانقسام والميل إلى العنف.

. لم أعد أستطيع التعبير بالكلمات، كل شيء بدا أكبر من قدرتي على الاستيعاب. شعرت بالعجز، أمام بيوت يموت أصحابها دفاعاً عنها، فتموت البيوت معهم. وسط كل هذا الألم والعجز يخفت سؤال البيت على المستوى الشخصي ويعلو على المستوى العام في الوقت ذاته. ما زلت حتى اليوم أتساءل: كيف يمكن للمرء أن يعرف معنى „البيت“ في لحظات كهذه؟ „البيت“ بمعناه العريض/ الوطن. لا غرابة أن للكلمتين ذات المعنى باللغة الإنكليزية. أتساءل بلهفة حقيقية هل يمكن أن يكون إحساسنا بـ „البيت/الوطن“ وتعريفنا له، شيئًا يولد من الأرض التي نعيش عليها ومنا ثم ينتقل ليصير معنى عاماً، أم أنه يفرض علينا من الخارج؟ تفرضه سلطة أو قوانين أو ضغوط اجتماعية؟
اليوم، في سوريا، يطرح السؤال مرة أخرى: ما هي سوريا أصلًا؟ لا إجماع. وبالتالي نحن الآن عرضة لأن يأتي أي كان ويقرر لنا ما هو بيتنا وما هي حدوده. من هم سكانه ومن هم أعداؤه.
أين أنت أيها البيت وما هي حدودك؟ وهل علينا حقاً أن نموت من أجلك؟

كان فيلمي الوثائقي الأول عن فتاة شابة تغادر بيت عائلتها في مدينة صغيرة متجهة إلى دمشق لتبني بيتها المستقل. سمّيته „الطريق إلى البيت“. بطلته، مروى، استأجرت غرفة ضيّقة بلا نوافذ، ملأتها بصور أغلفة كتب وأفلام مطبوعة على أوراق A4، محاولة أن تحيط نفسها بكل ما تحب، لعلها تصدق أن هذه الجدران الأربعة قد تصبح بيتها. لكنه -بيتها-، ضاق بأحلامها. هاجرت مروى. ولا أعرف إن وجدت بيتها في مكان آخر.

أما أنا، فما زلت أبحث. في منتصف الثلاثينات من عمري، أتساءل: هل حان الوقت لأتقبّل أنني إنسانة بلا بيت؟ هل حان وقت الرحيل؟

قبل فترة التقيت بامرأة تعمل في منظمة إنسانية في كييف. أخبرتها عنكِ. قلت لها إنكِ صحفية وكاتبة، توثّقين الانتهاكات وشهادات الناس في الحرب. سألتها إن كان الأوكرانيون يشعرون اليوم بتهديد لهويتهم وانتمائهم. قالت: لا، على العكس، هناك تصاعد لروح الانتماء في أوساط واسعة من الشعب. لا أعرف إن كنت توافقينها الرأي أم لا، لكنني اليوم أرسل لك هذه الرسالة من على الأريكة الخضراء في بيتي المبني على فوهة البركان، لأسألك: حدثيني عن بيتك.

Autor*innen

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner