
العزيزة سفيتلانا
تحية
لقد كنت متشوقةً لقراءة رسالتك. قرأتها حالما وصلَتْ. ثم أعدت قراءتها مرتين قبل أن أكتب لك هذه الرسالة. استمتعت جداً وأنت تحكين لي حكاياتك، وتأخذينني معك بين الأزمنة والأمكنة، وهذه المتعة سكَّنَت لي (مؤقتاً) الألم الذي يرافق سؤال الجدوى من الكتابة. سؤال قاسٍ ولاذع لا يفارقني.
بدأت أكتب من اللحظة الأولى التي تعلمت فيها „الكتابة“ بالمعنى التقني للكلمة. كانت أول قصة كتبتها بعنوان „سامر وقطع الشارع“. أذكر أنها كانت قصةً مصورة رسمت رسوماتها وكتبتها، عن طفل اسمه „سامر“، على اسم خالي الوسيم الصغير آنذاك، المفضل لدى أمي، وعن أهمية أن ينتبه إلى الإشارات الضوئية عند قطع الشارع.
أتساءل اليوم: هل كنت أكتب كي تحبني أمي أكثر؟
أيامها كنت أيضاً أكتب يومياتٍ بخط اليد المخربش موَقَّعَةً ومُأرّخة! يوميات تنبض بالحياة، مليئة بتفاصيل حول المدرسة والبيت والعائلة والأعياد وزيارات الأجداد.
لم أعد أتذكر من كنت أخاطب حينما أكتب. لكنني أتذكر مشهداً بعيداً من الماضي:
في منزل جدي والد أمي، كان ثمة حديقة خلفية صغيرة تطل عليها شبابيك المنزل، فيها أشجار مثمرة وخضراوات ورقية، وأرجوحة خشبية صنعها لي جدي.
أستطيع الآن أن أشم رائحة تلك اللحظة: عمري تسع سنوات، أجلس على التراب الأحمر تحت شجرة الرمان الكبيرة، بيدي ورقة كتبت عليها اسمي الثلاثي مع تاريخ ذلك اليوم، ثم جملة لم أعد أتذكرها لكنها كانت موجهة إلى البشر في المستقبل. وبقداحةٍ سرقتها من المطبخ أحرق أطراف الورقة حتى تصبح بنيةً ومن ثم أطفئها، كي تبدو وكأنها مُعَتَّقة. بعد ذلك أحفر حفرة وأطمر الورقة فيها وأنا أفكر فيمن يمكن أن يجدها بعد مائة أو مائتي عام. رائحة الورق المحروق ما تزال في أنفي.
يومها أرسلت رسالةً إلى المستقبل، لم أعد أذكر فحواها لكنها كانت على الأرجح صوتٌ أرسَلَته فتاةٌ صغيرة عبر الزمن كدليل على أنها كانت هنا يوماً ما.
صيف ٢٠١٣ كنت قد تخرجت للتو من كلية الصيدلة في جامعة حلب، المدينة التي ولدت وكبرت فيها شمال سوريا، قرب الحدود حيث وصلتكِ رسالة الهاتف المحمول. كانت الحرب شديدةً بين أحياء حلب الشرقية والغربية، وحيّنا كان واقعاً تحت حصار الفصائل المسلحة المعارضة لنظام الأسد آنذاك. في أحد الأيام وعندما اشتدت المعارك بالقرب من بيتنا قررنا أن نحزم „حقائب النزوح“، وهي حقائب صغيرة يمكن حملها على الظهر تحتوي ما خف وزنه وغلى ثمنه.
في حقيبة النزوح خاصتي وضعت دفتر مذكراتي، ودفتر اليوميات الذي حدثتك عنه، وبعض الصور، وبعض الأشعار والقصص والخواطر التي كنت قد كتبتها، إضافةً إلى تذكارات ورسائل من أصدقائي.
بعد أيام غادرنا المنزل حاملين حقائب النزوح.
منذ ذلك الحين أصبح كل ما هو خارج حقيبة النزوح فائضاً عن الحاجة بالنسبة لي. تغيرت مسافتي من الأشياء وإحساسي تجاهها، ففي اللحظة التي خرجت بها من البيت وضعت نفسي أمام احتمال فقدان كل شيء، وقبلت الاحتمال.
عندما هربنا من البيت قصدنا بيت جدي، المشرف على سهل الغاب وسط سوريا. ذات البيت الذي طمرت في أرض حديقته رسالةً إلى المستقبل. المستقبل الذي تبين فيما بعد أنه كان أكثر وحشة قليلاً مما كانت تتوقعه البنت الصغيرة، التي سيفرغ بيت جدها من كل أشكال الحياة فيه، حتى من شجرة الرمان الكبيرة، بعد بضعة أعوام بسبب الحرب، وهجرة سكانه الجماعية إلى النصف الآخر من الكوكب.
عشنا في بيت جدي حوالي تسع شهور، وكأنها شهقة العابر بين عالمين، بين موت وحياة، أو بين حياة وموت.
في تلك الأيام كانت الحرب تدمر العالم كما عرفته، وتبني عالماً جديداً عوضاً عنه، عالم مؤقتٌ وهشّ، لا يمكنك التأكد فعلاً إن كان حقيقياً أم لا.
في إجابة عن أحد أسئلتك التي طرحتها عليّ في الرسالة عن: كيف تغيرتُ؟ أقول: لقد خنقت الحرب صوتي حتى لم أعد أعرف كيف أحكي حكايتي ولماذا.
بعد الشهور التسعة، عدنا إلى البيت الذي نجا من الدمار بصدفةٍ ما. لكنني لم أعد أستطيع تحمل البقاء فيه. كان كل ما حولي مفرغاً من المعنى، وصوتي غائرٌ في صدري. ربما كان من الصعب عليّ أن أحمي صوتي من أن تبتلعه الشهقة.
حملت حقيبة النزوح ذاتها وبدأت رحلة استعادة الصوت أو ابتكار صوت جديد. ابتكار بيتٍ جديد.
في الخامس من كانون الثاني أتممت إحدى عشرة سنة في رحلة البحث هذه. كان خلالها فعل الكتابة (وما يزال) عملاً شاقاً يتطلب مني في كل مرة إجابةً عن سؤال الجدوى من الكتابة. إجابة لا أجدها دائماً في حاضرٍ يبنى على الأنقاض.
تنقلت بين عدة أماكن في سوريا، وعملت في عدة وظائف، وسكنت في عدة بيوت، درست السينما والتصوير، امتهنت الصحافة، تعرفت على مئات الأشخاص واستمعت إلى حكاياتهم بانتباه شديد. حكاياتٌ مؤلمةُ في معظمها، كثيرةٌ إلى الحد الذي جعلني أجد صعوبةً في تمييز صوتي عن بقية الأصوات، أو تحسس حكايتي بين كل هذه الحكايات الخشنة المدمّاة. صار من الصعب عليّ الفصل بين حزني وحزن جميع من حولي. وكأنما أصبح حزناً شاسعاً يبتلعنا معاً كطوفان، كلما فكرت في الخروج منه أخاف! أخاف على الحكايات ألا تجد أذناً تسمعها. كذلك أخاف على حكايتي.
ربما لهذا السبب لم أغادر سوريا. نعم لقد فعلت ذلك طواعيةً. أردت أن أبقى شاهدةً على الحكايات، وأن أستعيد صوتي كي أرويها.
بعد أن أتممت قراءة رسالتك الماضية ملأتني رغبةٌ عارمة بالكتابة، وشعرت براحة نادرة، من النوع الذي يصاحب الوصول إلى إجابةٍ ما لسؤالٍ مضنٍ:
ربما، نحن نكتب كإثبات على أننا كنا شهوداً.. موجودون هنا وأحياء. إثبات نرسله عبر الزمان أو المكان أو كليهما.
انتظر رسالتك القادمة بفارغ الصبر.
مع حبي وتقريري
زين


