
مرحبا عزيزتي زين،
أثارت رسالتك في نفسي الكثير من الخواطر والذكريات، وكان موضوع „الصوت“ أكثر ما لامس وجداني، لذا أود الكتابة عنه هذه المرة، وكذلك أريد الإيفاء بالوعد الذي قطعته في رسالتي السابقة. ولكن دعينا ننتقل أولاً إلى ذكرياتك.
أخبرتِني كيف ألّفتِ حين كنتِ طفلةً صغيرةً قصةً مصوَّرةً عن صبي اسمه سامر وعن إشارات المرور. لا بدَّ لي من أنْ أبتسمَ، إذ تذكرني بنفسي في تلك السن، حيث لم أكن قد التحقت بالمدرسة بعد، أو ربما كنتُ قد التحقتُ بالصف الأول للتو، لكنني كنتُ حينها محبةً للكتب وأجيد الكتابة بحروف كبيرة وواضحة. وفي يوم من الأيام، كان المطر يهطل، ما منعني من اللعب في الخارج واضطرني للبحث عن نشاط أقوم به داخل المنزل، فصنعتُ كتابي الأول على الإطلاق. قصصتُ يومها صفحاتٍ صغيرةً فارغةً من دفتر رسم وألصقتها ببعضها البعض لأشكل كتيباً صغيرًا بحجم يقارب مقاس (A7). ثم رسمتُ شيئاً ما، أعتقد أنه كان عصفوراً، وكتبتُ نصاً بقلمِ لبّاد أسود. أظن أنني اخترتُ القلم الأسود ذا الرأس اللبّادي ليبدو النص في كتابي المصنوع يدوياً وكأنه نصٌ مطبوعٌ، أو ربما لأنني لم أكن قد تعلمتُ بعدُ كيفية الكتابة بقلم الحبر السائل. على أية حال، الأمر المثير للاهتمام أنني لم أُألِّف نص كتابي الأول بنفسي، بل نسختُه من كتاب أطفال كان عندي، وكان من صنف الكتيبات الرقيقة المصوَّرة التي كانت مكدسة على أحد الرفوف، حيث كان عليّ إنزال الكومة كلها لأتمكن من اختيار كتاب واحد لقراءته. كما أنني نسختُ الرسوم عن ذلك الكتاب أيضاً. ذلك كان كتابي الأول الخاص، وفي الوقت نفسه، نسخة مصغرة من الكتاب الأصلي.
هذا الاستساخ الذي يبدو بلا طائل، والمتمثل في إعادة كتابة كتيب، يُذكّرني بقصة للكاتب خورخي لويس بورخيس، تحكي حكاية مؤلف خيالي يُدعى بيير مينار، أقدم على كتابة فصولٍ من رواية „دون كيشوت“ لسرفانتس. ذلك كان ما فعله. ولكن ما معنى „كتابة“ فصولٍ من عملٍ كُتِبَ بالفعل؟ إذا كنت قد فهمت بورخيس فهماً صحيحاً، وذلك أمرٌ لا يمكن للمرء أن يتيقن منه تماماً مع هذا الكاتب، فإن مغزى كلامه يكمن في أن النصَّ ذاته يُقرأ بطرقٍ مختلفة في أزمنةٍ متفاوتة. قد تكون رواية „دون كيشوت“ بقلم بيير مينار الخيالي مطابقةً تماماً لما كتبه سرفانتس، ومع ذلك ثمة فرق: فالكاتب الإسباني صاغ روايته في مطلع القرن السابع عشر، بينما فعل مينار بعد ذلك بثلاثمئة عام. قد يندفع المرء للقول: „هذا أمرٌ عبثي!“ ثم ينفجر ضاحكاً. ولعل هذا بالضبط ما كان يرمي إليه بورخيس: إمتاعنا. كما أن الأمر يبدو لي أيضاً طريفاً لأنني كنتُ في طفولتي أشبه مينار إلى حدٍ ما، إذ قررتُ أن أكتب حرفيًا ما كان قد كُتِبَ بالفعل قبل ثلاثمئة عام، ولكن أن أكتبه بنفسي.
يدفعني هذا الحديث لأتساءل حقاً عما إذا كان الكتاب الذي نسخته يمثل، في حد ذاته، إشارةً إلى أنني لن أصبح كاتبةً روائيةً قط، وأنني لن أبتكر عوالم خيالية، بل سأكتب عما حدث بالفعل، وسأنقله تماماً كما رواه لي الناس، وأن دوري سيقتصر في المقام الأول على الإنصات ومنح الآخرين صوتاً.
أعتقد أن بوسعي تحديد اللحظة التي أدركت فيها تماماً قوة القصص المستمدة من الواقع، فقد كان ذلك إبان الاحتجاجات التي شهدتها أوكرانيا في عامي 2013 و 2014. ورغم أن تلك الأحداث دخلت التاريخ تحت اسم „ثورة الكرامة“، إلا أنها كانت تُعرف أثناء وقوعها ببساطة باسم „الميدان“. وتُستخدم كلمة „ميدان“ في اللغة الأوكرانية كمرادف لكلمة „ساحة“، وهو استخدامٌ أظن أنه موجود في اللغة العربية أيضاً. وعقب انتهاء الاحتجاجات، قررت دار نشر تتخذ من كييف مقراً لها جمع شهادات شهود العيان وإصدارها في كتاب، وقد توليتُ حينها مهمة تفريغ بعض تلك المقابلات المُسجَّلة. أسَرَني أن أراقب كيف تتكشف تفاصيل قصة شخصية ما على خلفية أحداث عامة، وكيف يسردها صاحبها ويتأمل مجريات ما حدث. وفي تلك الفترة تقريباً، اتجهتُ نحو كتابة التحقيق الصحفي السردي وبدأتُ في كتابة نصوص ذات طابع توثيقي.
نقطة الانطلاق في عملي تمثلت دائمًا في الاستماع إلى قصة ما. وقد كان ذلك كافيًا لفترة طويلة، إلى أن تساءلتُ في مرحلة ما عن مكان صوتي الخاص وكيف يبدو وقعُهُ، وعما إذا كنتُ قادرةً على سماعه أصلاً. وقد بات هذا السؤال أكثر إلحاحًا بعد صدور كتابي الثالث.
ولكن، لنبدأ بالأهم. أو بالأحرى لنعكس الآية: إذ يتعين علينا القفز زمنيًا نحو أحد عشر أو اثني عشر عامًا إلى الأمام.
+++
في رسالتي الأولى إليك، ذكرتُ أنني أقيمُ في مالمو، وهي مدينة تقع في جنوب السويد. وقد أشرتُ في تلك الرسالة إلى أنني لا أستطيع قول شيء عن نفسي سوى إنني لم أغادر أوكرانيا إبان الحرب. لقد وعدتُ بالكتابة عن ذلك، وعليّ أن أفي بوعدي. غير أني سأعود إلى موضوع „الصوت“ لاحقاً.
ها قد حلّ شهر أيار/مايو من عام 2026، وأنا أعيش في السويد منذ ستة أشهر. أدرس حالياً للحصول على درجة الماجستير في „العلوم الإنسانية النقدية“ في الجامعة المحلية، وتتضمن الدراسة قراءة نصوص لمؤلفين ومؤلفات متنوعين تأملوا العالم ولا يزالون، ونحن بدورنا نمارس هذا النوع من التأمل إلى حد ما.
قد يبدو من المنطقي التساؤل عن سبب وجودي في الجامعة أصلاً، فأنا على وشك بلوغ الثامنة والثلاثين من عمري، وسبق لي أن نلت شهادة جامعية، إذ تخرجتُ مثلك في عام 2013. وأعزو عودتي إلى العالم الأكاديمي إلى أزمة مررتُ بها تجلت في مرحلة ما بالعجز عن سؤال الآخرين عن تجاربهم. كنت بحاجة إلى استراحة لأتمكن من سماع صوتي الخاص وسط كل تلك الأصوات التي صادفتها خلال عملي كصحفية، وموثِّقةً لجرائم الحرب، ومؤلفة كتب موضوعيَّة.
عملتُ منذ عام 2022 مع فريق دولي من الصحفيين على توثيق جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الروسي في أوكرانيا، وعلى تسجيل شهادات الضحايا الذين عايشوا الهجوم الروسي، بما في ذلك لصالح مشاريع أخرى أعمل عليها. في ذلك الوقت، بدا لي هذا العمل أكثر جدوى من أي شيء آخر يمكنني القيام بها. ومع اندلاع الحرب العدوانية الشاملة، وإدراكي لاحقاً أن أفق التخطيط لدي بات يمتد لأسابيع بدلاً من بضع ساعات فقط، اكتسب توثيق هذا الواقع الجديد أهميةً عندي. واقع جديد لاعادي.
في ظل ظروف لاعاديّة، لا يبدو هذا الأمر مهماً فحسب بل جوهرياً أيضًا: إذ ينبغي لك إن استطعت أن توثقي ما يحدث لك أو للآخرين عند التعرض لأحداث استثنائية وصادمة، مثل سقوط صاروخ على منزلك، أو التعرض للتعذيب بالصدمات الكهربائية، أو عندما تشاهدين جنوداً من دولة مجاورة يجوبون الشارع بدباباتهم ويطلقون النار على جارك…
يمكن لهذه القائمة من الأحداث اللاعاديَّة أن تمتد إلى ما لا نهاية. ولا أرغب في الإطالة في هذا الأمر هنا، إذ بوسعك بالتأكيد استكمال القائمة بأمثلة من سوريا. بدلاً من ذلك أود قول ما يلي: في لحظةٍ ما توقفتُ وأدركتُ أنني لم أعد قادرةً على مواصلة تدوين شهادات شهود العيان. لم يكن السبب أن تلك الشهادات كانت تشكل عبئاً ثقيلاً عليّ، ولا أنني لم أعد أطيق تسجيلها، إذ لم أكن أنفجر باكيةً أثناء الاستماع، ولا عانيتُ من كوابيس جراء وصف التعذيب بالتفصيل، ولا كانت صور من أُطلق عليهم الرصاص تتراءى أمام عينيّ بمجرد إغلاقهما (حسناً، ربما في بعض الأحيان). لقد حدث شيء آخر: فجأة، لم أعد أشعر بوجود مشروعية لقيامي بهذا العمل. وصرتُ أسأل نفسي مراراً وتكراراً: بأي حق أقترب من هذا الشخص أو ذاك لاستجوابه بشأن تجاربه؟ ولم أجد إجابة، كما لم أعد واثقةً من قدرتي على الالتزام بقاعدة عدم انتهاك حدود الآخرين.
إلى حد ما يمكنني أن أتفهم كيف آلت الأمور إلى هذا الوضع، ففي السنوات القليلة التي تلت بدء الغزو الروسي الشامل، كنا نحن الصحفيين ومن يوثقون جرائم الحرب نخبر الضحايا وشهود العيان بأننا نجري المقابلات لضمان معاقبة الجناة. لكن مع مرور الوقت فقدت تلك الكلمات وقعها وتأثيرها. صحيح أن محاكمات لمرتكبي جرائم الحرب الروس قد جرت غيابياً، وأن الجهود الرامية إلى إنشاء محكمة خاصة بجرائم الحرب تمضي قدماً ببطء، إلا أنه من الواضح أيضًا أن إدانة الجناة فعلياً تظل احتمالاً بعيد المنال. وتشير التطورات الدولية إلى أنه لن يكون هناك تحديد واسع النطاق وقاطع للمسؤولية الجنائية أو لصدور أحكام بالإدانة.
إنها حقيقة مؤلمة ندركها، لكنها ليست السبب الوحيد لأزمتي، فهي مجرد قطعة واحدة من أحجية الصورة الكاملة. ثمة شيء آخر أيضاً. شيء لطالما حاولتُ تحديد ماهيته. ولعل قطعة أخرى من هذه الأحجية تكمن متواريةً خلف كلمة „صوت“.
حرصتُ عند سرد قصص شهود العيان على الحفاظ على أصواتهم الفردية دومًا، ففي أعمالي المنشورة كان الناس يتحدثون بلغتهم الخاصة، مستخدمين لهجاتهم المحلية وسماتهم اللغوية المميزة. ولكن كيف كنتُ أتحدث أنا؟ كما ذكرتُ في مستهل هذه الرسالة، لم أدرك عجزي عن الإجابة عن هذا السؤال إلا بعد صدور كتابي الثالث، وهو الكتاب ذاته الذي تتصدر فيه المشهدَ أصواتُ وقصصُ أولئك الذين طالتهم تداعيات الهجوم الروسي الكبير والاحتلال.
إذًا توقفتُ عن الكلام وعن طرح الأسئلة كي أسمع صوتي أخيراً. قررتُ تكريس وقتي لتعليمي، لـ… لِماذا؟ لأجدَ حلاً لأزمتي؟ أظنُّ ببساطة أنني أردتُ تجاوزها بتلك الطريقة.
+++
يختتم بورخيس قصته „بيير مينار، مؤلف دون كيشوت“ بكلمات تدعونا للتأمل في كيفية قراءة النص ذاته بطرق مختلفة في أزمنة متباينة. وأتساءل كيف ستُقرأ في المستقبل القصصُ التي كتبناها إبان الحرب؟ هل ستظل تخاطب الآخرين غداً أو بعد عشر أو عشرين أو خمسين سنة؟ وهل سيصل جوهر تلك النصوص إلى القراء؟ أؤمن بأن الحرب شأنها شأن الحب موضوعٌ يُكتب عنه الكثير في كل عصر، غير أننا نميل إلى نسج الخيال حول الحب وكتابة الروايات عنه، بينما الحرب وما يصاحبها من واقع استثنائي تفرض حاجةً لتوثيق الأحداث وكتابة نصوصٍ واقعيةٍ توثيقية. ومن واقع تجربتي في القراءة عن حروب الماضي، صار واضحا لي أن الصوت الفردي هو الذي يبقى راسخاً في الذاكرة. ذلك الصوت الفردي الذي لا يسعى لإدراك الصورة الكلية أو استخلاص استنتاجات مجردة، بل يكتفي بأن يشهد على حقيقة أن هذا الإنسان قد وُجد، وعاش تجارب محددة في حياته.
اختتمت رسالتك السابقة بفكرة أننا نكتب لنثبت أننا وُجدنا في هذا الزمان وهذا المكان. لقد سمعتُ هذة الفكرة من أشخاصٍ سُجنوا ولم يكونوا يعلمون ما إذا كان سيُطلق سراحهم يوماً ما. رسمت إحدى النساء تقويماً بالفحم على باب القاعة التي كانت محتجزة فيها. كانت القاعة تقع في قبو، وكانت هي محشورة في تلك المساحة مع أكثر من ثلاثمائة آخرين. توفى عشرة منهم، فدوّنت المرأة إلى جانب تقويمها أسماء أولئك الذين قضوا نحبهم. وفي وقت لاحق، أوضحت السبب في مقابلة أجريت معها، قائلة في حال لم ينجُ جميع السجناء ولم يتبقَّ أحدٌ ليروي قصتهم ستكون هذه السجلات مثل جمرةٍ من نار، شاهدةً على الأقل على حقيقة احتجاز هؤلاء الأبرياء في ذلك القبو وعلى ما أُجبروا على تحمّله.
عاجلاً أم آجلاً جميعنا إلى زوال، لذا تتملكنا رغبة عارمة في ترك أثرٍ ما. وتشتد وطأة هذه الحاجة حين نشعر بأننا نواجه أيامنا الأخيرة وملاذنا الأخير. غير أننا إذا لم نكن نؤمن بالحياةٍ بعد الموت، فإن كل أيامنا على هذه الأرض تُعد الأخيرة، وفي الوقت ذاته أيامنا الأولى، فهي أيامنا الوحيدة. هذا المكان وهذا الزمان هما ملاذنا الأخير ولذا نكتب بلهفةٍ محمومةٍ لكي نترك آثاراً لمن سيأتون بعدنا، ولكي يعلموا أننا كنا موجودين.
ما زلتُ أرغب في سرد قصص حقيقية. لكن ربما أودّ الآن أن أروي قصة الشخص الذي أعرفه أكثر من غيره، والذي أفهم تجاربه جيدًا.
أنتظر جوابك بفارغ الصبر!
مع أطيب التمنيات،
سفتلانا
نقلها إلى العربية: يوسف حجازي


