هطول آخر

استماع إلى هذا النص، بصوت لاما الحداد:
لم أستغرق وقتاً طويلاً حتى بدأت أفهم هذه العزلة،
حتى بدأت أعتاد سكارى المحطات، وأقرأ موتهم العجيب.
حياتي منذ شهور لم تعرف سوى وجه بشري واحد، أو اثنين على الأكثر،
لكنني تعلّمت وصفات طبخ جديدة.
أليس الطبخ لمن نحبّ شعراً؟
نجحت في التعبير عمّا أود قوله بابتسامة أحياناً،
وأحياناً أخرى بإيماءة فقط، كأنني أتحدث إلى عينَي طفل.
جرّبت مشاهدة الأفلام مع شخص أحبّه،
هذا أيضاً طقس حميمي يشبه الشعر..
الشعر أيضاً هو أن أعتقد بأن بطني، التي بدأت بالانتفاخ،
بالون قد ينفجر بعنف في لحظة عظيمة.
ها أنا أخيراً أحمل في داخلي شيئاً ظريفاً غير الخوف والألم.
أستعيد الآن حقي في الاستيقاظ متى أشاء،
في قراءة ما أحبّ،
في ارتداء ثياب غريبة نكايةً بالعيون التي تترصد،
في البكاء دون مبررات،
وحقي في انتظار الشعر مهما تأخّر،
وفي رؤيته يأتي ويذهب على هيئات غريبة.
الشعر الذي تمسّكت بحباله لسنين طويلة،
الشعر الذي كان منقذي كلّما حاولتْ هذه الحياة النيلَ منّي،
الشعر الذي يرقص في البطن، وينحشر في الحنجرة،
الشعر الذي عوّضني عن الصديقات،
الأحبّاء القدامى،
والأهل الذين يسكنون بلاداً ليس لها سوى الظلام.
الشعر الذي يهطل على قلبي مثل يدي أمّي،
ويطير حراً كما لو أنّه لن يعود أبداً.

