خــناجر

ها نحن نحتسي معاً فناجي البن الصباحي – كعادتنا – وهو ينتظر بفارغ الصبر ساعة مناقشة مشروع تخرجي ليرفع بي رأسه إلى السماء.. وهو لا يدري أن أمنيتي أن أرفع روحه إلى السماء قبل ذلك! أن أسحقه.. أحيله إلى تراب.. ثم أحمصه جيداً، وأضيف منه ملعقة كل يوم إلى فنجان بُنّي الصباحي، لأستمتع باحتسائه إلى آخر أيام عمري؛ فكيف لي أن أحتمل حلاوة يومٍ دون نكهته!!
*************
أتذكر تلك الليلة التي صحوت فيها من نومي على بكائك.. ومشيت بخفة لأسترق السمع والبصر من خلف باب غرفتك.. كنتِ تصرخين: طلقني!
ورأيته حينما قام وأحضر خنجره الفاخر.. وانقضَّ على جسدك الممدد كوحش في ذروة سكره!
رأيته كيف ألجم فخذيك بركبتيه.. ووضع خنجره على نحرك وقال:
– يا بُعدك.. أنا أطلقك؟! أقطعك حتة حتة ولا أطلقك، جنانك زاد ونسيتي نفسك بدل ما تحمدي ربك إن أشهر طبيب في البلد تنازل يكون زوجك!
كنتِ لحظتها ترجفين.. وكانت عيناك تذرفان دموعاً غزيرة دون أن يطلق فمك أي صوت عدا تنفس مرعوب..
كنتِ خائفة جداً!
ثم قام وهبط بخنجره إلى فخذيكِ العاريين.. ومع كل شتيمة كان يكيلها إليك كان يغرس خنجره ويرسم وشماً تذكارياً فيهما، ربما كان بهذا يحاول محو كل قبلة تسببت في إنزال أنفه إلى تلك التضاريس المقدسة!
ثم اختتم سُعَاره:
– أنتِ حتى الشفقة ما تستحقيها.. أنتِ أقل من أن أسمح لك تشوهي سمعة بنتي ويكون اسمها (بنت المطلقة)، مستقبل بنتي وسمعتها غير قابل للتشويه!
منذ تلك الليلة.. تلبسني جبنك، وصرت أضاهيه في قدرته على التمثيل!
لو أنكِ ذهبتِ إلى المحكمة، لكنت كسبتِ القضية فور أن يرى القاضي فخذيكِ!
لكن ربما غرزات الخنجر قطعت شرايين روحك، وتواطأت مع حبالك الصوتية لتحرمنا من بعدها صوتك إلى الأبد. كنتِ تتحركين بروح غائمة.. بل صرتِ مجرد تمثال متحرك يؤدي واجباته المنزلية بصمت صاخب!
لا يضحك.. لا يبكي.. لا يتكلم.. لا يتألم..
وحده والدي من كان يضحك لي ويلهو معي.. وكنتُ لعبته المثالية.. كنت أتفاعل معه بالضحك كلما ضحك، والصمت كلما صمت، وأتظاهر بالنوم كلما أمرني بالنوم.. خوفاً من „خنجر أبي“ الذي لا أحد غيري يعلم أنني قد رأيته.
هل ستغفرين لي اعترافي بأني كنت أتعمد إخفاء سجادات صلاتك ومصاحفك حتى أخلصك منها؟! وكنتُ أكره مازوشيتك حينما تصرين على اقتناء المزيد من المصاحف وسجادات الصلاة، ثم أراكِ تتقطعين من البكاء كلما سجدتِ أو قرأتِ القرآن. وكنت لا أجد مبرراً لبكائك لأنني لا أرى أحداً يغرز خنجره في جسدك!
لم أرَ أبي يوماً يبكي مثلك، وهذا بالتأكيد لأنه لا يصلي ولا يقرأ المصاحف، ولأني خشيت أن أكون ضعيفة وبكاءة مثلك.. تشبهت بأبي فامتنعت عن الصلاة وقررت ألا أقرأ أبداً المصحف!
***********
قد أثبتُ لك اليوم أنني لم أعد صغيرة منذ أن أهديتني لليتم بغتة بلا ساحرة تنصحني.. ولا عصافير تغني لي.. ولا حيوانات أليفة تساعدني في أعمالي الانتقامية التي أخطط لتنفيذها.
لم أكن يوماً مراهقة!
فأنا طفلتك التي كبرت سهواً بلا أم تحكي لها قصصاً، بل مع أبٍ يحكي كثيراً كيف كان يشفق على زوجته كطبيب نفسي يحسن التعامل مع جراحاتها.. وعن كونه الرجل التاريخي الذي اعتنى بابنته لتكون سوية مثله ولا ترث اضطراب أمها، يتغنى دوماً بصبر أيوب الذي كان يتحلى به ليواصل حياته مخلصاً لمجنونة مثلك!
كيف أصدقه؟ أنا التي ما سهرتُ يوماً لأنسج لأحلامي فارسها؛ بل لأتعارك مع حمى الذكريات التي تشعلها أصداء بكائكِ الذي كان أبي يطفئه بحقن يغرسها بنزق.. فيثقب قلبي مع جسدِك..
في ذلك المساء لسعتني الغيرة منك؛ فقد رمى لك أبي فور عودته إلى المنزل كيساً فيه عطر وفستان وأشياء أخرى لست أتذكرها، وأمرك بارتدائها.. وأخذني ليطعمني عشائي ويأخذني للنوم، مثلت دور الفتاة النائمة، وعززت دوري بركل غطائي ليطمئن والدي ويذهب إليك، كنت قد تمكنت من إتقان التمثيل بحرفية لا تخطر على بال، وحين خفتت الأضواء تسللت – كعادتي – لاستراق السمع والبصر.. لقد كنت متحمسة لرؤيتك بثوبك الجديد؛ فقد كانت لديك مهارة سحرية في التزين تجعل منك حورية فاتنة، وكان لجسدك كيمياء تتفاعل مع أي عطر يلامسه فتعطيه عبقاً سماوياً..
سمعت أسنانك تصطك، وصوته يزجرك:
– ما عد عجبتك؟ قد جربتي غيري؟!
ثم بصفعة واحدة منه استقرت أسنانك، وشيئاً فشيئاً حتى تعالى صوت أنفاسه المضطرب..
لم أكن أعي حينها أنه يملك خنجراً آخر ذبح به أنوثتك.. ولم يبالِ هو بذلك إلا بعد أن عجز عن إفاقتك!
هل علم الطبيب ما الذي أغرق قلبك الثلاثيني في سكتته الأبدية قبل أن يكتب إفادة وفاتك؟ وهل يعدُّ القانون هذا قتلَ عمدٍ أم شبه عمد؟ ألم يكن من العدالة – على الأقل – مصادرة أداة الجريمة؟!
كنت أتلوى في غرفتك ككلب بوليسي يبحث عن أي أثر لكِ؛ فلم أجد غير بقايا كحل جرفته دموعك ليعلق على غطاء مخدتك قبل أن يعلن قلبك استقالته.. فاحتفظت ببقايا كحلك ودموعك في غطائها!
حينها.. أسراب أحلامي فقدت تغريدها.. وتساقطت أجنحتها.. ولفت بي الدنيا بدلاً عن تحليقها. خروج جنازتك أحدث لي اختلالاً في المخ والقلب، وانزلاقاً في العمود العاطفي!
لم أملك جرأة البكاء حتى رأيت أبي بنفسه ينوح أمام الجماهير! كنت أراقبه وأبكي مثله، وبمجرد توقفه عن البكاء كنت أبتلع بقايا دموعي خشية مخالفته. صارت لي القدرة بأن أشق لضحكتي جسراً من وسط دموعي بلا خجل.. ليتعايشا مع بعضهما بمرونة تشبه مرونة روحك التي سقتني بالحياة حتى في احضاراتها..
***************
يحلو لأبي أن يصفني بوريثة ذكائه، ثم يعبر عن حبه لكِ ولي بأن يتغزل بنا معاً، فيخبرني بأني ورثت جمالك بزيادة الشامة التي استرقتها منه؛ كصك ملكية خاص به طبعه على خدي..
لكن تلك الشامة ليست ربانية! هي رواسب علقت في مجرى الدمع، تشكلت كختم عبور من غصتي الماضية، وذلك الوشم الجميل على صدري ليس احترافياً.. إنه جرحك القديم الذي أجاد النزف تلوينه فصار أكثر وحشية!
******
صرت أكثر الممثلات براعة.. حين أتقنت دور المطمئنة لمجرم محترف لا يحتفظ بسجلات جرائمه غيري، تحتفظ ذاكرتي بطلاسم لم أفك شفراتها إلا في وقت متأخر من دراستي، نسيت إخبارك بأني سايرته في كل شيء حتى أنني تخصصت في نفس مجاله..!
واليوم..
سيلحق بي أبي ليحضر مناقشة مشروع تخرجي..
لم أطلعه مسبقاً على رسالة التخرج لأجعلها مفاجأة له يوم مناقشتي العلنية، فقط رميت له الطعم:
الإهداء إلى أبي
بطل بحثي الحقيقي
بطل قصتي
وكل حياتي!
ولأنني اختلست خنجر دهائه.. كنت – بالطبع – قد صورت نسخة أخرى من بحثي لأرفقه بدعوى قضائية؛ فقد تحدث بحثي عن كل ممارساته معك، والأدوية التي كان يرغمك على تجرعها.. وغطاء مخدة سهرتك الأخيرة!
وصلني التأكيد على وصول إشعار المحكمة له بالدعوى التي رفعتها ضده، بعد ذلك بوقت قليل تبسمت؛ فقد تم استدعائي لإسعافه و …..!

