Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
> Einfache Sprache Jetzt Spenden
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche

قصة "مَصْوَن"

Mona Yaser (Pseudonym)
© Boushra Almutawakel, All in Gold (2026)
Boushra Almutawakel, All in Gold, digital photograph (2026) ©

 

من الجيد أني وجدت مقعداً في هذا المقهى لأستريح فيه قبل أن يصل القطار، ليت أمي هنا لتشاركني هذه الإطلالة، أمي التي تضاعف عشقها للربيع يوم أنجبتني فيه؛ فقد شعرتْ أنني هديته إليها فأسمتني زهرة، أما أنا فكنت أشعر أنها شجرة؛ أختبئ خلفها كلما خِفتُ، وأستظل بحضنها كلما استعرت الحياة.

أتدفأ بشالي „المَصْوَن“، رائحة بلادي تفوح منه وتطمئنني، من يصدق أنني -الفتاة الملتصقة بأمها- ذات يوم سأرحل بعيداً وأكتفي به ليؤنس وحدتي. أتذكر حين خرجت أمي من المنزل وأنا في الرابعة من العمر وظللت أبكي، حتى ظهر الفنان أبو بكر سالم على التلفاز فقال لي أبي: انظري إنه يؤشر بيده نحوك ويغني لكِ. نظرت إلى التلفاز، كان الفنان بالفعل يؤشر نحوي ويغني „من يشبهك من؟“ وانطلت علي الحيلة، والآن هذا „المصون“ يصون دموعي كلما هزني الشوق لأمي، قطعة قماش سوداء بخطوط صفراء وحمراء يتخللها خط فضي لامع صارت هويةً تميز بلداً بأكمله.

دخل رجل إلى المقهى، كان يتلفت، انتبهت إلى عدم وجود طاولة شاغرة فعرضت عليه مشاركة طاولتي، شكرني ثم سألني: من أين أنت؟

  • من اليمن

قال بالعربية:

  • السلام عليكم
  • تعرف العربية؟

استأنف حديثه بالإنجليزية:

  • قليلاً لأني زرت بعض الدول العربية لممارسة هواية تسلق الجبال.
  • وهل زرت اليمن من قبل؟
  • لا (وبنظرة ملؤها الحذر) أسمع عنها في الأخبار.
  • ابتسمت، إذن أنت تعرف اليمن من خلال الحرب؟ هل تعرف أن أعلى قمة في الجزيرة العربية والشام هي جبل النبي شعيب في اليمن؟
  • حقاً؟ كم يبلغ ارتفاعه؟
  • حوالي 3666 متراً.
  • مدهش، وهل لديكم جبال غيره؟
  • بلدي مليئة بسلاسل جبال كحراز، أعجوبة المدرجات والقلاع المعلقة وسط السحاب، فقرية الحطيب تُعرف بـ“القرية المعلقة“ لأنها بُنيت على قمة جبل شاهق حتى أُشيع أنها القرية التي لا تمطر عليها السماء لكونها فوق السحب.

وصل النادل: موكا. قلت:

  • بالمناسبة قرى حراز هي مصدر أفضل بُنٍّ في العالم.
  • لأول مرة أعرف أن اليمن تزرع البن.
  • وما معنى كلمة موكا؟
  • قهوة فاخرة؟
  • MOKHA هو ميناء „المخا“ اليمني أول مكان صدَّر القهوة إلى العالم، ولأن الإنجليز لم يكونوا قادرين على نطق حرف الخاء نطقوه K وانتشرت التسمية هكذا.

 

طلب مني أن أريه صوراً للجبال فأريته شبام وجبل صبر وحجة. اندهش حين رأى „جسر شهارة“ الذي يتحدى الجاذبية إذ يتعلق فوق أخدود سحيق ويربط بين جبلين، أُعجب بدار الحجر القصر العظيم المبني على صخرة، عاد بي إلى التاريخ العظيم فتحسرت، لم يتبقَ لنا غير ملابس تراثية نحرص على اصطحابها في رحلة تشردنا، فهي وحدها ما لم تجد الحروب طريقاً لتشويهه.

 

أعرِّج على المحاسب فيبادر بالعربية:

  • خلاص الحساب علينا.
  • عفواً؟
  • سمعت كلامك وعرفت أنك يمنية، فكرت برد جميل لليمنيين.
  • ما قصتك مع اليمنيين؟
  • لولا أن اليمنيين اكتشفوا القهوة واخترعوا شربها من أين كنت سأكسب لقمة عيشي؟ أنتم علمتم العالم كله كيف يبدأ يومه بمزاج حلال.

ضحكت: لكن في البداية حرّموها في تركيا ومصر.

  • ثم صاروا يسمونها قهوة تركي.
  • والجلسة على القهوة عادة عند المصريين أكثر من أي شعب.
  • لا أدري كيف كان الناس يبدؤون يومهم قبل القهوة بالفعل؟!

(هكذا اليمنيون، يبدعون الأشياء ثم يأتي غيرهم يأخذ الراية وينسبها إلى نفسه)

ليس هذا الشخص الوحيد الذي عاملني بلطف حين عرف أنني يمنية، فجنسيتي اليمنية بمثابة عملة قابلة للصرف طوال الوقت؛ كلما قابلت شخصاً عربياً يتوهّج وجهه حين يعرف ذلك، يحكي عن أصالتنا وشهامتنا ونصرتنا للحق وعن أكلاتنا الخاصة، كما يتفاخر الكثير بأن أصولهم تعود إلى اليمن لأن اليمن أصل العرب، ويشيدون بمعجم „لسان العرب“ لليمني ابن منظور.

 

على متن القطار أفكر في أمي، ترى هل من أمل لتتعافى بعد تكالب كلّ تلك الأمراض عليها؟ تتسرب من عيني دمعة تلحظها عجوز شقراء جميلة إلى جواري، تسألني بحنان:

  • هل أنتِ بخير؟
  • نعم أنا فقط أشتاق لأمي.
  • لا بأس جميعنا تركنا أمهاتنا وسافرنا للبحث عن حياة، أبنائي أيضاً غادروا لكنهم يزورونني في الإجازات.
  • لكني لا أستطيع زيارة أمي.
  • ما الذي يمنع المرء من زيارة أمه؟
  • إنها في بلدي اليمن، دخولها صعب والخروج منها أكثر صعوبة.
  • أول مرة أسمع بها؟ أهي دولة حديثة؟

لم أجرب يوماً أن تكون بلدي مجهولة، ماذا أحكي لها فالمعروف لا يُعرّف؟ هل أحكي عن مملكة سبأ والملكة بلقيس التي حكمت اليمنيين بالشورى في القرن العاشر قبل الميلاد؟ عن الطقس اللطيف لدرجة أني لم أعرف الفرق بين فصول السنة إلا بعد أن غادرتها؟ هل أخبرها أن الأشجار في بلدي لا تموت ولا تتخلى عن أوراقها حتى في الخريف؟

  • إنها الماضي المستمر، سابقة لعصرها. في جنوبها بنيت أول ناطحات سحاب في التاريخ في شبام حضرموت ولُقبت بمانهاتن الصحراء وهي بلد „ابن خلدون“ مؤسس علم الاجتماع وواضع علم العمران البشري، بينما صنعاء في الشمال أقدم مدينة مأهولة بالسكان على وجه الأرض، بُنيت في القرن الخامس قبل الميلاد، ولم تخلُ من الناس قط لأكثر من ألفين وخمسمائة عام وبيوتها أطول ناطحات سحاب طينية.

دخلت شابة ومعها كلب ذو شعر أبيض طويل، هادئ كالدمية، لفت نظر العجوز أنها ترتدي تعليقة على شكل شجرة غريبة كمظلة قادمة من كوكب آخر، سألتها العجوز: هذه التعليقة جميلة إلى ماذا ترمز؟ فقالت إن هذه شجرة „دم الأخوين“ لا توجد إلا في جزيرة واحدة في العالم اسمها سقطرى وهي تابعة لدبي.

استوقفني كلامها:

  • المعذرة لكن سقطرى جزيرة يمنية وليست تابعة لدبي.

نظرت لي باستغراب (كأنني لص أريد سرقة الجزيرة) وقالت: ربما تقصدين جزيرة أخرى، هذه جزيرة ساحرة أخذت تصريح دخولها من دبي.

حكت عن النباتات النادرة التي رأتها في تلك الجزيرة، وأن ثلث النباتات والكائنات فيها لا توجد في أي مكان آخر في العالم أشهرها شجرة „دم الأخوين“ هذه، وعن تصنيف اليونيسكو لسقطرى كأحد أغرب الأماكن الطبيعية في الأرض. لم أواصل الجدل معها فلو عادت إلى تقارير اليونسكو لعرفت أن سقطرى يمنية واليمن معروفة تاريخياً بمقبرة الغزاة.

دسست سماعة في أذني لأشغل نفسي بالموسيقى، حينما يقرر اليمني الهجرة يسافر في الغابات والبحار، يهزم المهربين والمسافات البعيدة، وتهزمه أغنية يمنية تعرج به إلى حواري اليمن ثم تحلق به إلى جبالها الشاهقة وتظل روحه معلقة حتى تهوي به أشواقه إلى العودة باكياً في أحضان أهله وعشيرته، كما تفعل بي الآن أغنية هديل حسين:

ليت المسافة تنطوي لي ويكون خلي هو حلالي

ويكون لي وحدي لحالي وحدي أنا

لكن أنا أشلي وما لي غير الأسى وبعد الغوالي

يا رب أنا أشكوك حالي يا رب أنا

ذنبي إن أنا حبيت يماني هو نور عيني هو أماني

ذكراه تسهرني ليالي ما أنساه أنا

في الغربة صرت اشتاق لكلاب بلدي المشردة ونباحها ولحاقها بأي سيارة غريبة تمر من حارتنا، لأولاد جيراننا المشاكسين، لمعاناتنا المشتركة. هنا لكل شخص حياة مستقلة ومشاكل مختلفة، حتى القانون مقص يتم تحريكه مع كل شخص حسب مقاسه ومزاج الموظف الذي يغزل خيوط مستقبله. نفكر كل يومٍ في العودة، ويمنعنا كبرياء حلمنا من خذلان مَن ودعونا يوماً، كيف نعود إليهم أعمق كسراً من ذهابنا؟ فنحاول أن نتعلم التجاهل والنسيان.

تأتي امرأة جديدة، تسألها العجوز:

  • من أين أنت؟
  • من اليابان

تلتفت إلي العجوز: أخبريها باسم بلدك؟

  • اليمن، هل سمعت عنها من قبل؟

ردت باهتمام:

  • أعرف فناناً يمنياً شهيراً يلقب بملك العود.
  • لا بد أنك تتحدثين عن الموسيقار أحمد فتحي؟
  • بالضبط. حضرت له حفلة في طوكيو قبل سنوات، سمعت أنه قبل هبوط الطائرة رأى اللون الأحمر كبساط تحته فسأل رئيسة المضيفات أين طوكيو؟ ردت عليه: طوكيو تحت الورد الأحمر. في اليوم التالي لوصوله كان عيد ساكورا „شجرة الكرز“ وكان كل الناس يهتفون ساكورا، اندهش لابتهاج الناس جميعاً بشجرة الكرز، لقد شعر أن هتافاتنا مثل العبادة والتأمل، فألهمه ذلك المشهد عمل مؤلف موسيقي أسماه „ساكورا“، عرفت أن أوركسترا موسكو السيمفونية قامت بعزفه في قاعة تشايكوفسكي في العاصمة موسكو، وقد شارك أيضاً في حفلات في برلين ولندن وواشنطن إضافة إلى عزف افتتاحية جائزة نوبل في إحدى السنوات. ثم سألتني: أيوجد عازف غيره؟ فنصحتها أن تتابع المايسترو الشاب محمد القحوم. نحن -اليمنيين- نروض الحياة بمراقصة أوجاعنا „كما الريشة“ وفق ما غنى اليمني أبو بكر سالم، ونشذب أحاسيسنا بمشرط الصبر.

تعود العجوز الجميلة للحديث معي:

  • يبدو أن بلدك مثيرة للاهتمام.
  • نعم، لقد أطلق عليها الرومان قديماً لقب „Arabia Felix“ العربية السعيدة أو المباركة.
  • إذن لماذا تركتيها؟
  • أمي طردتني.
  • كيف لأم أن تطرد أبناءها؟

يحمرّ وجهي، فأمي لم تكن صاحبة القرار، استمعت إلى نصائح أصدقائها ووجد الجيران ذريعة للتدخل في حياتنا وصاروا يجولون في بيتنا بفوضوية، يحيكون الدسائس بيني وبين إخوتي، يسرقون مجوهراتنا ويلوثون ذكرياتنا، أريد أن أعاتب أمي لكن عليَّ الاعتراف أن الربيع الذي تعشقه أمي حل باللعنة عليها ذات غفلة، إذ اغتيلت في ربيع 2011.

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner