Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu
Hören

Wir vertreiben uns die Zeit mit den Nachrichten von unseren Tragödien und werden betrunken davon, gelesen von
Annika Reich

نسلو بأخبار مآسينا ونثمل

Salma Salem

سلمى سالم

Picture: Fadi Al Hamwi /+90 rotated wedding; 300×200 cm Mixed media on canvas (2010)

كانت تتهيأ للنوم في موعدها المعتاد عند صلاة الفجر. مع أنها غير معنية بالصلاة، إلا أن ساعتها البيولوجية ضبطت على آذان الفجر، فما أن تسمع قول المؤذن: „الصلاة خير من النوم“، تغلق شاشة الحاسوب، أو حسب تعبيرها باب الرزق، استعدادًا للذهاب إلى النوم. عندها دوى صوت تفجير هائل شرق دمشق، قبل رفع الآذان بقليل، أعقبه تحليق طيران حربي مزق سكون الفجر. الكهرباء مقطوعة منذ ساعات ولا يمكن مشاهدة التلفزيون لمعرفة ما يجري على بعد بضعة كيلومترات، حيث يعيش من بقي من عائلتها عند خط التماس على الجبهة الشرقية.
الأصوات القادمة من هناك تتعالى فتزيد من مستوى القلق. ترى أي الكوارث تقع هناك، وماذا يواجه من تبقى من أقارب مخولين بالسؤال عنها في حال فُقِدت جراء اعتقال أو تفجير أو أي سبب آخر من مسببات التغييب الكثيرة والمتنوعة والمتوفرة بكثرة هنا؟ إنهم سندها في هذه الحرب الطاحنة، وتعرضهم للخطر يكاد يفقدها الصواب.
تواصل تسمرها أمام شاشة الحاسوب، بينما بطاريته تلفظ أنفاسها الأخيرة، مقلبة سريعا صفحات الأخبار، معارضة وموالاة، لعلها تفهم ما الذي يحصل، لكنها تتعثر بصور ضحايا تفجير القصر العدلي وسط دمشق، الذي حصد قبل أيام قليلة، أرواح أكثر من أربعين مدنيًا معظمهم من المحامين، وجرح ستين آخرين، غالبيتهم شباب وشابات حقوقيين، أحدهم تزوج حديثا، وآخر رزق بطفل قبل شهور قليلة، وثمة محامية شابة كانت على أهبة الزواج. راحت تتذكرهم وهي تقلب صورهم المبتسمة، فقد سبق واجتمعت بثلة منهم في مقهى القصر العدلي قبل عدة أشهر عندما تواعدت مع صديقتها المحامية هناك لمتابعة قضية تخصها.
الصور المبتسمة لوجوه صارت من الماضي ألقتها في بئر من الحزن العميق. من أين يأتي ملاك الموت بكل هذه الطاقة لخطف أرواح عشرات النفوس الفتية دفعة واحدة؟ ألم يردعه شغف الحياة في عيونهم؟ ثمة خطأ ما. كيف عبر القاتل بحزامه الناسف نقاط التفتيش المحيطة بالقصر العدلي وقت انصراف العاملين؟ كيف فجر نفسه بلمح البصر وحوَّل حيوات العشرات هباء منثورًا، مريقًا شلالات الدماء على السلالم المتهالكة؟ شلالات لا تروي ظمأ من توعد العباد والبلاد بالحرق والهلاك!
لا أحد تبنى المسؤولية عن „مجزرة المحامين“. عدة روايات متضاربة، تداولها إعلام الدعاية الحربية، ثم تلاشت وراء شريط أخبار متسارعة حول جولة خامسة من المفاوضات السياسية المزمع عقدها في بلاد بعيدة وسعيدة. نفذت بطارية الحاسوب، فأظلمت الشاشة وكان الصباح قد أشرق. عبر النافذة رأت دخان أسود كثيف يزحف من الشرق آكلًا مساحات واسعة من سماء يوم ربيعي بغيوم من غمّ وهمّ تعمي القلوب، بينما طائرات السوخوي تحلِّق على علو شاهق قبل أن تهوي بشكل التفافي لتسدِّد ضربة لئيمة بلمح البصر، ثم تصعد مثلما هبطت في حركة حلزونية عائدة من حيث أتت، مخلِّفة وراءها سحب هائلة من الدخان والبارود.
كانت الساعة تهرول نحو الظهيرة. الكهرباء مازالت مقطوعة، وأصوات القذائف تدوي في أنحاء متفرقة لكن قريبة جدًا، تتخلّلها أبواق سيارات الإسعاف التي لا تكف عن الزعيق. وهي لم تنم ولم تعرف بعد ما الذي يحصل حولها. لكنها تذكرت أن صاحب المصبغة، الكوّى، لم يجلب ملابس أرسلتها إليه للتنظيف قبل أكثر من شهرين. حين أحضرتها إليه، اعتذر إليها بأنه سيتأخّر في تجهيزها، لأن المياه مقطوعة عن دمشق بالكامل ومياه الصهاريج غالبًا لا تصلح لغسل الملابس، فتجار المياه الذين ظهروا خلال أزمة المياه في دمشق انتهزوا الفرصة وباعوا الناس مياه حمامات السباحة المشبعة بالكلور على أنها مياه معقمة صالحة للاستخدام المنزلي. تلك المياه، أخبرها الكوّى، أتلفت الملابس، قبل أن يعرض عليها استعادة ملابسها دون غسلها، أو الانتظار ريثما تنتهي معارك وادي بردى وتعود المياه إلى مجاريها في دمشق. ولأنه لم يكن لديها هي مياه تهدرها على تنظيف الملابس، اختارت الانتظار، وعندما عادت المياه بعد تسوية الأوضاع في وادي بردى وتهجير سكانه بعد شهر، كانت قد نسيت أمر الملابس. ثم تلاه شهر آخر، دون أن يرسل صاحب المصبغة الملابس، وعندما تذكرته أخيراً وبادرت بالاتصال به لم يرد على الهاتف، ثم تناست الأمرّ حتى اليوم، حين قررت وأخيراً الذهاب بنفسها إلى المصبغة، ومن ثم الاطلاع في طريقها على ما راح يجري في المنطقة منذ ساعات الفجر.
عندما وصلت المصبغة وجدتها مغلقة، وصاحبها مختفٍ لا يعلم أحد بمصيره. جاره العجوز بائع الخضار رفع عينيه إلى السماء طالبًا منها أن تدعو له بالفرج: „جاؤوا وسحبوه من وسط المحل.”
فجأة دوى صوت قذيفة هاون سقطت وسط سوق قريب، هرع إثرها الناس في كل الاتجاهات لا يعرفون بأي شيء يحتمون داخل سحب الغبار. صراخ وعويل يملأ الفضاء. سمعت أن هناك قتلى وجرحى. الأرجح… قُتِل ثلاثة أشخاص. سارعت الخطى لتعود إلى بيتها، بينما سيارات الاسعاف وأعداد من المارة يهرعون نحو موقع سقوط القذيفة، وسط تحذيرات من سقوط قذائف أخرى.
عند مدخل مبنى بيتها صادفت جارتها المسنّة تبكي. بصعوبة فهمت ما نطقت به من كلمات مبللة بالدموع: „حفيدي … حفيدي قتل تحت التعذيب. والده تبلّغ الآن بالخبر الأسود.” سألتها: „وهل حفيدك معتقل؟!“ ردّت بكلمات حرقتها اللوعة: „منذ عام أخذوه عند حاجز القطيفة. كان ذاهبًا إلى الجامعة في اللاذقية. قالوا لنا تشابه أسماء…“ غشى ضباب رمادي نظرها، بحيث لم تعد قادرة على إبصار موطئ أقدامها أكثر. هذا الموت اليومي العام، يحاصرها ويطبق على أنفاسها، ثم تتالت سريعًا وجوه أصدقاء وزملاء عمل ومعارف مغيبين في أقبية التعذيب العاتمة؛ تخيلتهم جثث هزيلة، تشبه تلك الصور التي سرّبها القيصر لأكثر من اثنتي عشر ألف معتقل ماتوا تحت التعذيب. نفضت رأسها مستبعدة تلك الأفكار السوداء. تحت التعذيب، يالقسوة الفكرة ويا لوحشية الموت. إنها هي الآن وسائر المدنيين في هذه المدينة يعيشون تحت مختلف صنوف الترهيب والتعذيب. لوهلة خامرها شك بأنها قد تكون ميتة هي أيضًا، وما تعيشه الآن هو ما بعد الموت. أرعبتها الفكرة. هل قدر السوري العذاب فوق الأرض وتحت الأرض؟! راحت تتحسس جسدها. هل أنا ميتة؟ طائرة تخرق جدار الصوت وتهزّ الجدران! في حياة ما بعد الموت لا يوجد طائرات سوخوي، فلا حيّ هناك ليقتل. أما الآن وهنا، أن تكون على قيد الحياة فهذا يعني أنك مشروع موت. الآن وهنا في ما يسمى بالمناطق الآمنة، نقلّب قصص مآسينا لنسلو، نجترع الحزن ونثمل، نتوهّم تحدي الموت بينما في الواقع كل ما نفعله هو الحلم بموت آمن. وقبر بلا عذاب في بطن بلاد نسميها مجازًا وطن.

Share
– Stark ist der ArrakLesenتِقِيل العرق
Salma Salem Saša Stanišić

Salma Salem & Saša Stanišić

Salma und Saša - eine Syrerin und ein Bosnier begegnen sich. Wenn die beiden vom Krieg schreiben, wissen sie, wovon sie reden.