تواطؤ

(١)
أذكر جيدًا أول تواطؤ مع ريم، في الأغلب لكونه الوحيد الذي لم أخطط له.
كنت أسير نحوها حيث تقف عند بوابة المدرسة في انتظاري لكي تصطحبني إلى البيت، ومعها زميلتها سالي التي تتوقف دومًا عن الكلام عند وصولي، لأنّها، على حد قولها، لا تقول إلا „كلام كبار“.
أذكر أني كنت موزعًا بين رغبتين لم يكن التواطؤ مع ريم سيساعد فيهما؛ الأولى أن أسير ببطء مغامرًا بزيادة احتمالية أن يلمحني أحد الكبار من صف ريم الخامس الابتدائي ويضربني على قفاي كما هو العُرف حين يقابل ولد كبير في الصف الخامس ولدًا صغيرًا مثلي ما يزال في الصف الثالث، والثانية أن أسير بسرعة رغم رؤيتي من بعيد لبوكس الشرطة الذي يرسله لها يوميًا أبو ندى التي كنت أحبها مثل كل أولاد فصلي، مغامرًا بزيادة احتمالية أن يتزامن تحرك البوكس مع تحركي أنا وريم من أمام المدرسة مما يعني أن تتكرر مأساة الأمس، أي أن تشاهدني ندى وريم تحكم الإمساك بيدي أثناء سيرنا تنفيذًا لتعليمات أمي.
في الأغلب قررتُ يومها أن أمشي بسرعة، لأنني لا أذكر أن أحدًا ضربني في ذلك اليوم، أو لأنني كنت سأختار أي شيء غير أن يضربني أحد الكبار، لكن الأكيد أنني حين وصلت إلى ريم فوجئت بها لا تنهرني على تأخري، وفوجئت بصديقتها سالي لا تتوقف عن الكلام عند وصولي قبل أن تضع ريم يدها على فم صديقتها لكي تنتبه إلى وجودي، وتفكر قليلًا قبل أن تسألني، وكأنّه سؤال ينتظر أكثر من إجابة:
- مش عايز تجيب آيس كريم؟
تجمدت في مكاني بعد أن أعطتني ريم مصروفها شاعرًا بأن هناك خطأ ما، فريم لم تقل لي أن أنتظر أمام البوابة حتى تعبر الشارع وتأتي هي لي بالآيس كريم من الكشك، ولم تعدني كعادتها أن تشتري لي آيس كريم في الطريق ثم تُنكر وعدها في وقت لاحق، بل ولم تربط هذا بأي تفاوض حول أي شيء تريده مني. أخرجت بسلاسة نصف جنيه من حقيبتها ومنحتني حريتي للمرة الأولى وهي تشير إلى الكشك المقابل، قائلة دون أي جديّة وقبل أن تتفرغ للاستماع للكلام الهام الذي تقوله سالي:
- ما تتأخرش.
كنت حتى هذه اللحظة أخشى مقالب ريم أكثر من أن أفكر في التواطؤ معها، فوقفت على رصيف الشارع قبل عبوره، بحثًا عن أمي خاشيًا أن تكون في الأجواء وأن ريم ستدّعي فور وصولها أنني قد أفلتت نفسي من يدها وعبرت الشارع وحدي رغمًا عنها، ولكن لم يكن هناك فرصة أكثر للتردد حين رأيت بوكس الشرطة يركن بجواري لكي تركب ندى فيه، فزارتني شجاعة مفاجئة، وعبرت للمرة الأولى دون ريم.
عند الكشك اكتشفت أن المكافأة على شجاعتي تجاوزت الابتسامة التي تخيلت أن ندى ابتسمتها لي من داخل البوكس. فتحت علبة الآيس كريم، فوجدت قسيمة في داخلها، خربشته فوجدت أنني ربحت كاميرا، وقبل أن أقفز من الفرحة، هبطت يد على كتف، توقعت أن تكون يد أحد الكبار ففكرتُ بأن أتباطأ في الاستدارة لمواجهته عسى أن تلاحظ ريم الموقف وتعبر الشارع لنجدتي، لكنها كانت يد ريم. خطفت بيدها الثانية القسيمة، وقفزت هي بدلًا مني فرحًا مُعلنة لصديقتها سالي:
- يا لهوي، كسبت كاميرا!
(٢)
بالتأكيد لا أذكر المرة الأولى التي بدأت فيها التفاوض مع ريم، وكأنني قد وُلدتُ وأنا أفاوضها.
ضوء الصالة كان يضرب سرير ريم مباشرة فيمنعها من النوم، وكنت أخاف النوم في الظلام، فكنا نجري محاولات طوال السنة الماضية نوارب فيها الباب لنكسر شعاع الضوء دون أن نطفئ ضوء الصالة. المُسجّلة التي كنا نسجل عليه الشرائط لم تكن ملكًا لأحد منا، فكان عليّ أن أقبل حلولي ضيفًا عليها وهي تقلد مذيعة برنامج „على الناصية“ لكي تقبل أن تسمعني وأنا أقلد مذيع كرة القدم في إذاعته للمباريات. في سيارة أبي شريطين للأغاني، نسأل أبي عن الوقت الذي سيستغرقه الطريق، ثمّ نقسمه، نصفه لي لنسمع „علي الحجار“، ونصفه لها لنسمع „لطيفة“. أوافق على لعب الأتوبيس كومبليت، لكي توافق على أن تدون معي كل أرقام السيارات التي نمر بها في طريقنا.
كل شيء كان يبدأ كمحل نزاع، ولذلك أقول إنه من الصعب تحديد من منّا كان يُمسك بالقسيمة التي ربحت الكاميرا أثناء مشينا نحو البيت. كانت القسيمة في مكان ما بين يدينا المتشابكتين، وكنت أفكر في الدفاع عن ملكيتي للكاميرا أمام أمي عند وصولنا، لأنّني أنا من اشتريت الآيس كريم، وكنت أعرف أن ريم ستسهر حتى وصول أبي للبيت مهما تأخر، لتقول إن الآيس كريم قد تم شراؤه بمصروفها، وكنت جاهزًا لتهديدها بأنني سأشي بسماحها لي بعبور الشارع وحدي، مع أني كنت أخشى أن تعاقبني مقابل ذلك وتناديني أمام الناس في المدرسة باسم الدلع: „ميدو“.
توقفت أفكاري مع تصاعد آلام يدي، التي لم أعد أعرف إن كنت أنا من أحكم القبض بها على يدي ريم أم العكس، ولم أعد متأكدًا أن القسيمة ما تزال بين أيدينا، فلم أفكر كثيرًا وأنا أفلت يدي من يدها.
(٣)
في الشارع الذي لا أعرفه، سمعت صوت ريم آتيًا من بعيد:
- ما تخافش يا ميدو أنا معاك.
ولم أكترث لمناداتها لي مجددًا „ميدو“، واتجهت إليها شاعرًا أنّني أعبر برزخًا بين عالمين، واحد خطر لا ريم فيه، وواحد آمن بوجودها.
قالت فيما أحبّ أن أتخيله كلامًا ممزوجًا بالبكاء وهي تحتضنني:
- أنا آسفة.
كنت أظن أنّ الرحلة الخطرة قد بدأت منذ أفلتُ يدي من يدها وانتهت عند لحاق ريم بي واعتذارها، قبل أن أدرك أنها البداية فقط، فبينما كنت أبالغ في التشبث بيدها، رأيتها تضحك وتقفز بشكل مخيف، دخلنا شوارعًا أعتقد أن ريم أيضًا لا تعرفها، وكأنّ الشوارع كانت تلد شوارعًا جديدة. لا أعرف متى كانت اللحظة الفاصلة التي أدركت فيها أنّنا لا نعود للبيت بل نهرب، ربما حين قفزت ريم حماسًا وهي تعيد قولها:
- ما تخافش يا ميدو أنا معاك.
أخافني هذا أكثر. في كل شارع جديد كان يولد كابوس جديد؛ سنموت من الجوع، الدنيا برد، سيهجم علينا عبده المجنون، ستتركني وحدي حين أُغضبها لأي سبب، كيف سأعيش وحدي؟ متى ستظهر صورنا في القناة الثالثة في برنامج البحث عن المفقودين؟ مشيٌ بدا كأنه لن يلد غير مشي جديد.
توقفت الأفكار حين أوقفت سيرنا، راكعًا على الأرض وأنا أشعر بألم في بطني كأنني لم آكل شيئًا منذ أيام. حين أخبرتها بجوعي ظلت واقفة تحرك شفتيها، ثمّ بحماس سألت:
- تاكل مكرونة؟
أجبتها بنعم. ومع أنني رأيتها تشير إلى محل المكرونة على ناصية بيتنا، إلا أن شيئًا فيّ كان ممتلئًا بمزيج بين الحماس والرعب، وكأنّنا بالفعل هاربين أو مفقودين سويًا. وأعتقد أن ريم كانت تشعر بنفس المزيج الذي كان يجعل خيالنا يقفز فوق المنطق. مَلكَ كلّ واحد منّا بالفعل في جيبه الجنيه الذي نصرفه عادة في طريقنا للبيت، ومع ذلك في طريقنا لمحل المكرونة وجدت ريم تتلو علىّ الخطة: سنراقب المحل حتى نجد لحظة يكون فيها خاليًا من أي زبائن، ستدخل ريم المحل وتطلب من البائع طبقين مكرونة من الحجم السوبر، وفي اللحظة التي يضعهما البائع على الطاولة الزجاجية أمامه، أسحبهما وأجري، وتشوش ريم انتباهه بالتظاهر أنها أغمي عليها مثلما يحدث لخالتي كل يوم منذ طلاقها، فيهرع الرجل لإنقاذها وينسى الطبقين وأنا أختفي من أمام المحل، مستعدًا بطوبة في يدي أباغت بها الرجل في وجهه إن لم تتبعني ريم بعد دقيقة.
(٤)
لا أنسى حتى الآن الإحباط الذي ملأني حين وصلت إلينا أمي قبل أن تدخل ريم محل المكرونة، وكيف كانت فكرة لذيذة حول هروبي مع ريم مجددًا تجول في خاطري. عاش معي هذا الهاجس طوال فترة معاقبتنا بالجلوس في الغرفة دون ألعاب حتى وقت عودة أبي إلى البيت.
ثم انطفأ الهاجس مع سماعي صوت تكة مفتاح أبي تفتح الباب، حين وجدت ريم تُخرج قسيمة جائزة الكاميرا من جواربها فأدركت أنها قد سرقته بطريقة ما مني أثناء الرحلة، وقبل أن أستقر على شيء أقوله لأبي كي أدافع عن ملكيتي للكاميرا كان يحتضنني ويضعني على حجره ويداعب خدّي، وهو يقول تلك الجملة الغامضة السحرية:
- راجل، عرفت تحمي أختك.
لا أعرف حتى الآن كيف جعلتني هذه الجملة أبادر بإعلان فوز ريم بكاميرا قبل حتى أن تُعطي أبي القسيمة، ولكنني كنت منتشيًا بشيء غير حقيقي قيل عني للتو، قبل أن يعاودني الخوف مجهول المصدر في اليوم التالي أثناء سيري مع ريم إلى المدرسة، ذلك الخوف الذي لم يكن يحميني منه غير يد ريم وهي تطبق على يدي.

