Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
> Einfache Sprache Jetzt Spenden
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Text-2

ماذا لو لم تقم الحرب الثانية؟ 1983-2005

اندلعت الحرب بعد سنوات من تصاعد الخلافات بين الحكومة المركزية وكانت عسكرية دكتاتورية وبين ثورة مسلحة في الجنوب. وكان الوضع السياسي الاجتماعي والتنموي السيء الذي مهد له الاستعمار، والنزاع على الأراضي بين الرعاة والمزارعين والذي اتخذ أيضا صفة إثنية أسبابا ساعدت في اندلاع الحرب بين الحكومة التي اعتبرت أن السودان بلد عربي إسلامي في تجاهل تام للهويات الأخرى وأبناء جنوب السودان الذين تمردوا مطالبين بالعدالة لمناطقهم وأن تستوعب الحكومة المركزية التنوع الكبير في السودان وترفع المظالم التاريخية عن الشعوب المهمشة فيه، والديموقراطية وضمان حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

استمرت الحرب لمدّة 22 عاما، ووُصفت كأطول حرب أهلية في إفريقيا. قُتل على إثرها أكثر من مليوني نفس وشُرد الملايين بين نازح ولاجيء، وأحد تباعتها الكبرى كان انفصال الجنوب في عام 2011.
كنت في الثالثة من عمري عندما قامت الحرب الثانية في بلادي، تقول أمي أننا كنا جميعا هناك، تحت سماء مظلمة يضيئها القصف، لكنني لا أتذكر، فقد أنقذتني الطفولة ونسيت، أو أنه النسيان الذي تمنحه لك الصدمة ليس إلا.
ولكن هل نستني الحرب، إن أنا نسيتها؟ الحرب وفية وعادلة، لا تنساك مهما حاولت الفرار، أو خبأتك سنوات البراءة تحت جناحيها إلى حين.

نعم؛ نسيتُ بداية الحرب ولكنني عشتها إلى الأبد. لو أني أتذكر فقط فيما كنت أفكر لحظة اندلاعها!؟ ماذا تخيّلت حينها؟ ربما قلت في نفسي، أن تبادل الطلقات كان عبارة عن نجوم متساقطة، وربما فكّرتُ في التقاط واحدة أخبئها تحت الغطاء، أتأملها بينما تتلألأ بين أصابعي. أو ربما عرفت أنها حارقة كالجمر وتجنبتها؟ لا أذكر!
لا بد أن أمي اختبرت كل صنوف الرعب وهي تحاول حمايتنا في تلك الليلة.
الآن أعرف أنها كذبة! لا يستطيع الأباء حماية صغارهم من الحرب. أعرف هذا لأني أنا أيضًا اختبرتها عندما أصبحت أمّا، حين قامت حرب أخرى، وتمنيت لو كان بالإمكان أن ابتلع اطفالي!

حربنا عنيدة، تطاردك في كل مراحل عمرك. قد تندلع واحدة وأنت جنين في بطن أمك، وربما شعرت بها تركض في الأرجاء ولكمتك دقات قلبها المرعوب لتنجو بك، ثم تندلع أخرى وأنت طفل تُلهيك البراءة، فتلعب ببقايا المقذوفات وتتبادل مع رفاق الطفولة القذائف الزائفة وتنجو بالحظ فقط، فطفلٌ آخر صار يتجول في الحي الذي تسكنه بأطراف مبتورة، تمدّ الحرب لك لسانها وتذكرك بآثارها على جسد صديق الطفولة بأنك لم تنجُ حقًا. وها هي حرب أخرى تندلع وأنت شاب، تنخرط فيها بكلك تحارب بيدك ولسانك وأفكارك وأنت تعي أنك قد تموت فيها بأية لحظة، وإن شاءت الأقدار ونجوت ستشتعل أخرى وأنت أب أو أم وهنا ستنشطر روحك عندما تدرك أنك لا تستطيع حماية صغارك. ولا أظن أنني نجحت في حماية أطفالي عندما كانوا شهودا على حربهم الأولى، وأما أنا، فلم أعد أحصي العدد!
عرفت مؤخّرًا من معلمة الصف، أن ابني الذي يبلغ الثانية عشرة، قدم محاضرة عن السودان، عرّج فيها على كل ماهو جميل وختم محاضرته بالحديث عن الحرب…وبكى بحرقة.

الحرب لا تنسى أحداً.
ماذا لو لم تقم الحرب الثانية بيننا نحن أبناء البلد الواحد، هل كنا سنتوقف عن العد؟ هل كان بالإمكان تلافيها؟ وكم من فرصة سنحت لإخمادها في المفاوضات عبر السنوات ولكن التّعنت قضى على كل فرصة.
هل كنا سنتوقف في العد عند الرقم اثنين؟
كنت وما زلت مهتمة أكثر بالحرب الثانية، ففيها ترعرعت وترافقت مصائرنا.
عندما بلغت العاشرة من عمري، كانت الحرب مراهقة، عنيدة، محتارة وعنيفة. كنا نسكن في مدينة آمنة في الشمال بينما كانت الحرب تأكل الجنوب، الأرض التي أنتمي اليها.
كانت أمي ترتدي لون الحداد، ليس حزنا على أخيها عمها وأبيها فقط، ولكن حزنا على حياة كاملة التهمتها الحرب.
ورثنا حزنها عنها واعتدنا عليه. وكان الحزن كما الحرب رفاق طفولتنا، فحتى التلفاز والراديو كانا يجرحان الحداد لديها، فحرمنا من أفلام الكرتون وأناشيد الأطفال، وتشكل وعينا أن الحرب حالة من الحرمان.
كبرت وكبرت معي الحرب، وتمددت لتصنع جدارا ملتهبا بين الجنوب والشمال. عند هذا الجدار تفجر وعيي، ووجدت نفسي مزجوجة في الحرب التي كانت بين طرفي موطني، لتفرض علي الانحياز.
فانحزت لحزن أمي ومخاوفها، الذان أصبحا حزني ومخاوفي. فأصبحتُ عدوة للحرب، وكانت الكتابة حاميتي منها، أشعر من خلال سرد تجربة الحرب أنني أتجاوز ثنائية المعتدي والمدافع، المنتصر والمهزوم، وأحاول لفت الانتباه للمحنة التي تسكن عيون الضحايا، والتي تقول بكل وضوح انظروا لهزيمة الانسان فينا.

لكل حرب فرصة أخيرة كي لا تندلع. في أي حرب نحن الآن؟ قد تكون الثامنة؟ أو العاشرة؟ لا أدري!
الحرب أيضا تتناسل وتقوم برعاية حروبٍ أخرى، لتمنح حربا لكل جيل، ألم أقل أنها عادلة!؟
قد يشعل الحرب أفراد أو جماعات ، ولكن لن يوقفها سوى تضامن البشرية جمعا. فطريقنا واحد ومصيرنا واحد. ومن منا لم تحتضن ذكراته رصاصة؟

استيلا قايتانو

Zurück

Datenschutzerklärung

WordPress Cookie Hinweis von Real Cookie Banner