Weiter Schreiben -
Der Newsletter

So vielstimmig ist die Gegenwartsliteratur.
Abonnieren Sie unseren Weiter Schreiben-Newsletter, und wir schicken Ihnen
die neuesten Texte unserer Autor*innen.

Newsletter abonnieren
Nein danke
Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu
Text

"المنزل وأرواحه.. "أغنية بالتناوب

وداد نبي

الخطوةُ المغادرة تدلُ غالباً على الرحيل، لكنها أحياناً تدلّ على بداية حياة جديدة لشيءٍ متهالك، هذا ما دار بذهني حينما كانت خطوتي تتقدمُ خطوة شريكتي الكاتبة الألمانية "أنيت كروشنير" أثناء مغادرتنا لمبنى بيت الأدب في برلين، المكان الذي يشكّل حسابياً أكثر من ثلاثة أعمار لي منذ أن تم بناء هذه الفيلا ما بين عامي 1889/1890، حينها لم يكن ليخطر لبال أحدٍ ما سيؤولُ إليهِ من أقدارٍ متعاقبة ومتناقضة على امتدادِ أكثر من مئة عام وأكثر.

لا أحد يمكنُ أن يتكهن بمصيرهُ، هذا المكان الذي كان لفترة من الفترات كمقبرة مهجورة هو اليوم يزهرُ ورداً وشعراً وموسيقا وحياة بفضل "الذاكرة" التي يحملها، هذا المبنى عايش كل أهوال الحربين العالميتين وما بينهما وكل الأفراح والأحزان التي تلت تلك الحروب. كنا "أنا وأنيت" امرأتان تتجولان بحثاً عن أثر الأرواح التي كانت تعيثُ حياة وصخباً وحباً وحزناً وألماً في هذا المبنى القديم في أزمنة أخرى.
توقفت كلتانا بانبهارٍ في الشرفة المطلة على الحديقة الخارجية، كنا نتفحص المكان بعين عالم أثارٍ يريدُ أن يلتقط تفصيلاً صغيراً يقوده لمغامرة كبرى، لا أستطيع أن أعرف بالضبط ما الذي شعرت به "أنيت" لكنني تتبعتُ صدى الأرواح القديمة في المبنى. الأرواح التي قرأت عنها وعرفت أنها سكنت ذات ماض هنا. فالأرواح لا تغادرُ أمكنتها الأولى، في بلدي البعيد هناك كانت الجدات تقول حينما يموت ميتٌ : أن روح هذا الميت لا تغادر البيت الذي سكنت فيه، وأنها تظل تحوم حول بيتها لسنوات وسنوات حتى تلتقي بكل أحبتها، فإذا كانت حكمة الجدات في الشرق صحيحة فأن الأرواح التي سكنت يوماً في هذا المبنى لابد أنها الأن تطوف حولي، لترشدني إلى الغرفة التي كانت تضم سرير عشرات الجنود الذين أصيبوا وقتلوا في الحرب العالمية الأولى، حين تم تحويل هذا المبنى لمشفى عسكري أثناء الحرب، استطيعُ أن أسمع أنينهم هناك في تلك الغرفة في الطابق السفلي، الغرفة التي تحولت اليوم لمكان جميل يقرأ فيه الشعر والادب وتقام النقاشات الأدبية، كانت تمتلئ في ذلك الزمن بأصوات أنين الجرحى، بندمهم على حربٍ فقدوا فيها كل شيء.. الحب.. الحياة.. الأمل لأجل أفكار وقضايا أدركوا متأخرين كم كانت كذبة كبيرة، لقد سرقوا منهم حياتهم وأفضل ما عرفوه "الإيمان بالحياة" كان ألم وآهات جراحهم يصدر من كل غصن من أغصان الشجرة الكبيرة التي تقف بثبات في حديقة المبنى وكأن أرواحهم معلقة على أغصانها لم تغادر المكان بعد، لم ينقذها أحد من ذكريات الحرب التي لا تزال مشتعلة في كل مكان من هذا العالم، كما هناك في بلدي الصغير اليوم يسمع ذات الأنين لقتلى من كل الأطراف يموتون تحت راية الحرب التي لم تجد مأوى تقيم فيه لتموت بسلام.
على بُعد خطوات من الشرفة الكبيرة درج تنزل فيه للطابق الأول حيث بإمكانك أن تشتمّ رائحة حساء لذيذ كان يطبخ في الغرفة الصغيرة حينما تحول المبنى لمطبخ للحساء، وبين الممرات بالكاد ستسمع ضجيج طلاب مؤسسة ألكسندر فون همبولدت، التي كانت تضم الطلاب الأجانب، تستطيع أن تسمع نقاشات اليوم ذاتها عن المنفى والحنين لمسقط الرأس بين أصوات الطلاب، وما أن تبتعد قليلاً للزوايا القريبة من النوافذ حتى تسمع بوضوح صوت النساء اللواتي عملن ذات يوم في المبنى كملهى ليلى للدعارة، نساء فقيرات، بائسات، خاسرات، بلا أمل، يبعن اللذة مقابل نقود قليلة ليعشن فيها حتى الغد الذي سرقه منهن الفقر والحروب والكذب والخيانة.
فتحتُ عيناي على وسعهما للحظات حين وصلنا للباب الخارجي للمبنى أردتُ أن أشاهد الحياة الجديدة التي حصل عليها هذا المبنى بعد كل ذلك الماضي المتقلّب والصعب والمؤلم في أوقات كثيرة، كيف دافع عنه المواطنون وأنقذوه من الهدم، لأنهٌ كان يشكّل لهم ورقة من أرشيف ذاكرة برلين. الذاكرة التي تمثلت بهذا المكان، المكان الذي يبدو كناجي أخير من حرب هدمت معظم أشكال الحياة ، الناجي المتبقي من الزمن الذي لا يرحم أحداً، الناجي من ذكريات الأرواح التي سكنت فيه.
اليوم وأنا أحاولُ كتابة سيرة قصيرة لهذا المبنى "دار الأدب ببرلين" أدركُ أن مصائر البشر تتشابه أيضاً مع مصائر الأمكنة، كيف يتحول مكان من شكلٍ لأخر، كيف يغيّر سكانهُ وأحوالهُ ويبقى ويستمر ويصنع حياة أفضل بفضل الأرواح السابقة التي دعمتهُ يوماً، كذلك يمكن أن يفعلُ البشر، أن يغيروا مصائرهم حينما يحصلون على الدعم والحب الكافيين ... من كان يتوقع أنّ مبنىً جميلاً وساحراً يطلُ على حديقة رائعة ويُقرأ فيه الشِعر والأدب والموسيقى والنقاشات الادبية كان يحوي يوماً كل هذه الذاكرة المليئة بالألم والحروب والقسوة والفقدان ...المصائر هي قدر فردي لكن يلزمها بالضرورة حبُ هائل من المحيط لتتحول لقدرٍ هائل الجمال كما هو اليوم مبنى دار الأدب في برلين.

كُتب هذا النص بمناسبة القراءات في مهرجان الربيع في دار الأدب في برلين في 21 آذار 2018.

Zurück

Datenschutzerklärung