Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
Logo Weiter Schreiben
Menu

صحنٌ نحاسي

Nesrine Akram Khoury
Bild: Mixed Media Hala Namer (2018)
Image: Mixed Media by Hala Namer (2018)

لدى أبي صحنٌ نحاسيٌّ يضع فيه مفاتيح كثيرة لجيراننا في الحيّ، كلّما جاؤوا كي يتفقدوا شققهم استعاروا مفاتيحها منه ثم أعادوها إلى مكانها ورحلوا. الصّحن صار الحيّ، والمفاتيح سكّانه. والغربة تقطن هناك، داخل أبي.
لم يكن لبابا غيري في هذا الكون الّذي يقولون إنّه فسيح، ماما تركت أحذيتها ذات الكعوب العالية في بيتنا وغادرت الكون الفسيح دون أن تثير جلبةً، لم تعد كي تسترجعها بعد، مع أنّني وبابا حرصنا على إبقائها برّاقةً من أجلها، فالأمانة غالية كما يقول بابا. خروج ماما الهادئ حصل بعد ولادتي بسنة وقبل أن يصير الحيّ هو صحن بابا النحاسيّ. صحيح أنّني مازلتُ صغيرةً على قصّ الحكايات إلاّ أنّ الحياة في بيتٍ من أبٍ ومفاتيح وأحذية برّاقة خالية من قدمي ماما وهبتني قدراتٍ خارقة. لا أنصحكم بتجريب هذه الحياة فهي ليست بالرّوعة التي سأصفها بها، لكنّني قاصّة بارعة أستطيع خداعكم بسهولة.
إن أردت أن تبحث عنّي فأهلاً وسهلاً بك، أنا وبابا نعيش في مدينةٍ ذات لقبٍ شائعٍ „المنكوبة“ حيث فقدت اسمها في حربٍ ومصالحة، كما أفقد أسناني اللبنيّة هذه الأيّام، ومازالت المسكينة تنتظر هديّة جنّيّة الأسماء، أمّا أنا ولشدّة دهائي فقد عرفت أنّه ما من جنّيّةٍ في الكون الفسيح عدا بابا.
لم أعرف شيئًا عن الحرب، صحيح أنّني قاصّةٌ خارقة، لكنّني أذكى من أن أحاول إقناعكم بقدرتي على تذكّر أمور حصلت قبل بلوغي عامي الأوّل. ما استطعتُ جرّه من فم بابا هو أنّه بقي لشهورٍ يهرب بي وبماما من حيٍّ إلى آخر، حتّى استطاع أن ينجو بي وحدي من ساحات المعارك. أمّا كي نعود إلى البيت فقد احتاج الأمر شهوراً أُخرى وعدداً هائلاً من الراحلين – سواء بهدوءٍ مثل ماما أو بضجيجٍ مثل أصحاب المفاتيح – ومصالحةً بين أشباح وأشباح كما تقول المغنّية، هي تقول „تصفاية حسابات بين الأنبيا وأشباح“ لكنّني رغم كلّ شيءٍ طفلة، أحفظ الأغنيات على هواي.
كنتُ أظنّ هذا الصّمت المطبق كلّ الوقت هو الخلفيّة الموسيقيّة لحيّنا، وأنّ وجود أبنيةٍ مدمّرة في الجوار جزءٌ من تضاريس الحيّ، في حيٍّ فرنسيّ لديهم برج إيفل وفي آخر إيطاليّ لديهم برج مائل ونحن أطلقنا اسم برج على بناءٍ من سبعة طوابق آيلٍ للسّقوط، لم أجد فرقاً يُلحَظ. أمّا الرّكام هنا وهناك فهو لجعل الشّارع أقرب إلى معرضٍ للفنّ المعاصر، هو ليس مجرّد شارعٍ نمطيّ مستوٍ كباقي الشوارع المملّة. اعتقدتُ أنّ خلوّ الحيّ من الناس حصل بسبب خطأٍ بسيطٍ في حسابات التّوزع السّكاني. كنتُ على قناعةٍ تامّة بأنّ أطفال العالم يلهون وحدهم، والأصدقاء خرافةٌ حلوةٌ مثل التنّين جريسو الّذي يريد أن يصبح رجل إطفاء، وأنّ الأمّهات الجميلات تأبّطن أذرع الآباء مرّةً وحيدة في صور الزّفاف المعلّقة على جدران البيوت داخل إطاراتٍ مُذهّبة بزوايا متآكلة، ثمّ غادرن بهدوءٍ بعد أن تركن وراءهنّ طفلاتٍ كي يمسكن بأيادي الآباء الشّاغرة، وأحذيةً ملمّعة بكعوب عالية. يعني أنّ الشّكل الوحيد الّذي عرفته للحياة وظننته لفترةٍ ما الأوحد، هو ما ينتقل عبر موجات يبثّها لا وعيكم الخائف إلى ذواكر مناماتكم، ما يجعلكم تبذلون آيات الشّكر لكلّ آلهةٍ ممكنة على كونه مجرّد كابوس، ما تتمنّونه سرّاً لغيركم مستعينين بما أمكن من الدّعوات الشّعبيّة „حوالينا ولا علينا“، ما يصنع حكايات سهراتكم، ما يفرّقكم، ما يوحّدكم، ما يبكيكم، ما يفرحكم، هو ما تسمّونه أنتم آثار حربٍ، هو ما أسمّيه أنا حياتي.
هذه السّنة كان عليّ أن أدخل المدرسة وإلاّ صار بابا مهدّدًا بالسِّجن، فكما تعلمون مكافحة الأمّيّة أمرٌ بالغ الجدّيّة، لا أعلم كيف ستكون آليّة المكافحة في الصّحن النحاسي، ولكن خارجه سأساق كالنّعجةِ إلى مدرسةٍ ما. التفكير في الأمر جعل بابا يبقى لأسبوعٍ كاملٍ مستيقظاً، كان يفكّر بأنّني متفوّقةٌ بمراحل عمّن سيتولّون تدريسي، وأنّ وجودي في صفٍّ مكتظٍّ بأولاد أغبياء قد يضع العصي في منعطفات حلبة „الفورمولا وَن“ التي تتحرّك فيها مركبة تطوّر عقلي، حصول أيّ حادثٍ أليم أو فرملة أو تراجع ما سيكون هزيمةً مدويّة للرّجل. كان ينظر إليّ وأنا أقرأ الصّحف اليوميّة ذات التواريخ القديمة، ويتخيّلني أستمع إلى معلّمةٍ أسنانها مصفرّة أكثر من ورق الجرائد تقول عن حرف الألف عصا، وتلعب معنا „شمس، قمر“ كلّما احتاجت أن تقلّم أظافرها أو تراسل حبيبها على الواتس أب، ضجر القمر من كثرة المكوث. لكنّني أعلم أنّ خوفه الأكبر هو خروجي وحدي من البيت واكتشاف أنّ الحياة الّتي نعيشها ليست طبيعيّةً، وأنّنا نبدو للآخرين كالزّومبيز أو في أفضل الأحوال نثير شفقتهم، المشهد الأكثر رعباً بالنّسبة له هو رؤيتي لنسوةٍ مصطفّاتٍ أمام باب المدرسة عند نهاية الدّوام، يرنّ الجرس ليتدافع داخل ثنايا تنانيرهنّ الأطفال، وتتعالى لفظة „ماما“ في الأرجاء.
كان أبي يصحبني معه في جولاته اليوميّة على بيوت الجيران، نشرّع الشبابيك فاتحين ملاعب جديدة لنسمات الهواء اللطيفة، نسقي نباتات بيت أم نايف، نشمّس فرش بيت العمّ راضي، نضع أوراق الخسّ وقشور الخيار لسلحفاة ميرا، نصيرُ كشّاشَي حمام على سطح مرهف. نأخذ معنا كلّ ما نجده من كتب وجرائد ومجلاّت قديمة، بعد أن نعيد الدفعات السابقة منها.
لي ولبابا خلافاتنا أيضاً، إذ لا أحد في الجوار نفتعل معه المشادّات، وكما تعلمون هذا ركنٌ أساسيّ من أركان الحياة، حيث يترك الغضب ثيابه العطِنة ترفرف على الحبال الصوتية. هذي الخلافات كانت تبلغ أوجها حين يأتي واحدٌ من أصحاب المفاتيح، فأبي يجهد في إبعادي عنهم، وأنا أجهد كي أتفرّج عليهم بفضول سكّان المرّيخ حين وصلتهم أوّل مركبة فضائية تبغي اكتشاف كوكبهم الأحمر. هل يعلمون أنه أحمر؟ ربما هم أيضاً يسمّون كوكبنا الأحمر لكثرة الدّم المراق. أحبّ أن أسمع كيف يتكلّم أولئك الناس، وأقارن بين أصواتهم والطريقة التي ترنّ فيها مفاتيحهم حين تعود إلى الصّحن، أحبّ أن أرى إيماءاتهم وأحفظها كي أميّز المفاتيح بها، هذا المفتاح الّذي يرمش كثيراً كأنّ يداً تلوّح أمام وجهه طوال الوقت، وهذا الّذي يفرك يديه مثل من يدبّر مكيدة، وهذا من يميل رأسه حيث تبدو ذنوبه جليّةً في تلك الإطراقة.
مرّ أوّل يومٍ في المدرسة أسرع من المتوقّع، لوّحتُ لبابا مودّعةً بينما أندفع إلى داخل بناء المدرسة الكبير محاطةً بكائناتٍ في مثل حجمي تزعق وتبكي، لم أكن أعرف أنّ هذا اليوم شديد الوطأة على كلّ الأولاد. في الطريق مررنا بشوارع نظيفة يمشي فيها أناسٌ يشبهون أصحاب المفاتيح، لم أستطع رصد إيماءاتهم بشكلٍ جيد، مررنا بأبنيةٍ تُسمَع منها أصوات ساعات الكهرباء ومضخّات المياه، ببيوتٍ تطلّ من شرفاتها نسوةٌ بثياب النّوم مثلما يحصل في المسلسلات. مررنا بمحال ملابس وخضراوات وألعاب بلا إيماءات تراقبني من خلف الزجاج، سمعت زمامير سيارات مسرعةٍ ولمست واحدةً زرقاء اللون مركونةً على طرف الطريق، رأيت حاويات معدنيّة ممتلئةً بأكياس سوداء، أدهشتني معرفة أن الناس يشاركون قمامتهم مع الآخرين. كنت في ما يشبه مدينة الملاهي، كلّ ما حولي يدور بي، وأفتح عينيّ كي تتّسعا لهذا العالم العجائبيّ.
لا أعرف ما الّذي حصل بعد أن أغلقت علينا أبواب المدرسة وعاد بابا إلى الحيّ. تداخلت أصوات البكاء مع دويٍّ هائل كأنّ كوكبين اصطدما ببعضهما ثمّ وا وي وا وي وا وي.
يريحني أنّ بابا لن يقلق عليّ من الذّهاب خارجاً بعد الآن. يزعجني أنّني لم أجلب معي أحذية ماما الملمّعة.