Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu

لعنة الذاكرة وظلال الطائرات

Yamen Hussein
Basic Instinct 2008 Lost Images series. Archival print on cotton paper; edition 1 of 7. Foto: Ammar al-Beik

1 – الهرب بالوراثة

في القرية وكما أغلبِ القرى في سهول حمص وحماه لم تكنِ البيادر والكروم مسيجةً، هي أقرب ماتكون لانفلاتِ سهوبٍ من ألوان متضاده في كل فصل.

ركام صخور أو شجرة تين برية تتربع عند التلال الخفيضة كبوابات لأرض مفتوحة.

وكثيراً ما تسرقُ ناظِركَ بين دوالي العنب مخاريط حجارة، الكبيرة فالأصغر وهكذا

وترسِّم أقماعُ الحجارة حدودَ البيادر حيناً، أوتساعد في تمييز شجرةٍ مريضةٍ هنا أو عُشٍّ لطيورٍ صغيرةٍ هناك، وأحياناً للدلالة إلى أسرارٍ مدفونة.

جدي لوالدي كان مهوساً بالموت فحفر قبره في أرض صخرية تحدُّ الكرم الذي ورثه أبي بعده، كان يحفر الصخر بمعول ثم يقيس جسده فيه، ويحفر ويعيد الكرّة كل نهار حتى ناسَبَ القبرُ طولهُ ومدى منكبيه الواسعين، كان لا يبتغي إكرام موته بقدر ما يرتجي أن يَعُزَّ نجاته من موت في حروب العثمانيين وصلت به حتى اليمن أوائل القرن المنصرم.

حيث استطاع الهرب وعاد إلى القرية بعد سبعِ سنواتٍ دون أية أخبار لدى العائلة عن مصيره، قضى جلّها ما بين الجيش العثماني وعلى درب هربهِ، حيثُ ظنَّ أولاده أنه قد مات منذ زمن.

قبل تلك السنوات السبع كان أراد الهجرة إلى أمريكا فقصد مع صديقٍ له مرفأ طرابلس في لبنان أملاً بباخرة ترميه في أمريكا، إلا أن حظه العاثر والعسكر العثماني قد قطف حلمه من فم الفُلك. فاعتقلوه واقتادوه إلى الحرب في اليمن حيث نجح في الهرب من موت بلا هدفٍ أو معنى.

عاش سنواته الأخيرة في القرية شرق حمص شحيح النظر ومات فقيراً حتى قبل أن أولد أنا أو أيٌ من أخوتي، وجل ثروته قبرٌ متقن النحت في صخرة ضخمة قرب بستان عنبه.

ولم نعرف منه إلا رسماً ضمن بروازٍ نحاسي يتوسط حائط الصالون في بيتنا، حيث ننزل اللوحة كل عام أثناء أعمال تنظيف الجدران السنوية، نعيد لشاربيه المتواضعين ولباسِهِ القروي لمعة البلور، ثم نركنه هناك ثانيةً في المنتصف العالي للجدار وننساه بقية العام.

يعتلي قبره الآن كفزاعة، كرم اللوز والعنب الذي لم يعد يثمر إلا القليل.ويتوسط طريقاً يصل القرية بالمراعي البعيدة.

وغالباً ما استُعمِلَ القبر من العابرين في استراحاتهم كطاولة طعام، وحيناً لركن الماء المثلج في فيئه من قبل العمال في البستان، كأن الموت حين يعتّق يصبحُ أليفاً.

ورثت الهرب عن جدي، وأظنني أتقنتهُ، هو هرب إلى سورية، أما أنا فمنها

وفي كل أرض جديدة أُعمِلُ أقماعي في كل شارع وكل بيدر حتى باتت كل مدن العالم حدودي ولا أبتغي موتاً يعزّني، فلا شأن لي بهِ

أريد كما أراد هو إكرام نجاتي وتعزيةً لائقة لموت بلدي.

2 – لعنة ظلال الطائرات

على مدار سنوات الطفولة، كانت الأعياد الرسمية البعثية فرصة ليوم عطلة، والراحة من الثياب الموحدة القاتمة لمدارس البعث.

وفي أيام المناسبات الرسمية تلك,، غالباً ماكانت الحوامات العسكرية ترمي حمولتها من قصاصات ورقٍ ملونةٍ كتبَ عليهاً أقوالاً للطاغية، وكنا في الأزقة والشوارع الفرعية نرقب ظِلال الطائرات ونركض باتجاه رُزَم الورق الملقاة من بطنها، والتي تُلمَع في السماء عاكسةً شمس الظهيرة.

أسرابٌ من ألوانٍ زاهيةٍ تندلق صوبنا، فنحثُّ الخطو والركض متوقعين بفرحٍ طفولي أين ستهبط هذه الرسائل السماوية.

من زقاق إلى زقاق، وبين الحافلات كثيرة الأدخنة ندّلفُ كماء مطر غزير ونتقافزُ عن بِرَكِ الوحل الأسنة، للظفر بأكبرٍ قدر من القصاصات، آملين أن نحظى بتنويعات لونية فيعوض جمالها، ذاكرتنا اللونية الداكنة في كتبنا المدرسية قليلة الصور والمقتصرة على الأبيض والأسود.

وكما تبعت الفئران صوت مزمار العازف لتعرق في ماء النهر، كان صوت الحوامة بمثابة مساعد لأجسادنا الغضة لتحديد وجهة الركض.

لم يخلو الموضوع بالطبع من عراكات الأولاد، للسبق في التقاط الورق المتهادي بحركات بهلوانية تثير القلب.

..

على ما أذكر التقطتُ في ذكرى انقلاب البعث سبع قصاصات، واحتجتُ لخوض عراكٍ خاسر مع أحدِ أقاربي لاقتناص الثامنة التي كانت بلونين أزرق وزهري.كانت تلك القصاصة الوحيدة ثنائية اللون، دهشة غرائبية في امتلاك التميز، كان الأستحواذ عليها ليكون انتصاراً عظيماً.

في الحقيقة لم نفهم أغلب ماكتب على الوريقات، ولم نهتم بقرائتها، كان اللون والعدد هو الأهم

..

احتاج الأمر خمسةَ عشرَ عاماً لنفهم بشكل عملي ماكتب على الوريقات، وكيف كنا نتصيد الموت بأكفنا وبماء عيوننا البراق دون أن ندري. وكيف غدت برك الوحل التي تقافزنا فوقها صغاراً بركاً للدم المسفوك.

احتاجَ الأمرُ أيضاً أن نركض باتجاهاتٍ معاكسةٍ لتلك التي سلكناها خلف الحوامات في الطفولة وأن ندرك بأن النصر لمن لم تصبه لعنة ظلال الطائرات، ولمن استطاع جمع عددٍ أقل من أشلائه وجثث أهله.

3 – قداحات كليبر..

على شبابيك بيوت الطين كانوا يسهون في الحلم، وما أن ينوس الضوء بعد الغروب، يشعلون ولاعاتهم الكليبر برهة ويطفئونها، تحيةً وغمزاً، رسائلَ من نورٍ وعتمة.تحيلُ مساء القرية إلى مهرجانٍ من رقص الأضواء، تحت قمرٍ جليَ

وحدهن الشجاعات منهن كنّ يتركن حيزاً لضيف تحت اللحاف، ضيف يقطع كرمى للنعاسات أسطح الطين وبرك الوحل وبخفةِ مسيحٍ على ماء يقطع أسوار البيوت الواطئة، فلا يجفل الحمام في أعشاشه لئلا يستيقظ الأهل.

وفي خفرٍ يدلف الجسدان تحت اللحاف، يغدوان صراخ اشتهاءٍ كتيم.

4 – دون جدوى.

عبثاً تحاولَ الفكاك منها،

تلتصق البلادُ والذاكرةُ بكَ

كما يلتصق اللبُ

بنواةِ ثمرة خوخ

محتوى ويب مكون من محرر هتمل المجاني عبر الإنترنت. الرجاء شراء عضوية لإزالة الرسائل الترويجية مثل هذه الرسالة.

Share
– Sieben TageLesenسبعة أيام
Yamen Hussein Lena Gorelik

Yamen Hussein & Lena Gorelik

Yamen und Lena - ihre Texte sind wütend und zärtlich, geschichtsbewusst und zukunftsoffen und handeln immer auch vom Begehren in schwierigen Zeiten.