Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu

حديث لن يكون حزينًا عن الحرب

Rabab Haider
Al-Tariqah (Der Weg), 2014; aus der Serie „Silsila“, 166 cm x 250 cm. Foto: Sama Alshaibi, mit freundlicher Genehmigung der Künstlerin und der Ayyam Gallery

الخذلان من عاديات الحرب. سيكون هذا اتفاقنا البدئي، وقد سبق أن وافق عليه كل من خاض قبلنا حربًا (أهلية، دولية، داخلية، انقلابًا، أو ثورة طال أمدها).
سنخذل بعضنا نحن البشر، سنخذل من قامت عليهم الحرب، وسيخذلنا شركاؤنا في الحرب، ستخذلنا أخلاق السلاح، وبدورنا سنخذل الأخلاق الفردية والجمعية التي كانت سائدة وقت السلم. وسنخذل أنفسنا أنْ سنتورط بهذا السيل أو ذاك.
سيخذل الرجال نساءَهنَّ، وسنخذل رجالنا والأطفال، سنخذل الطبيعة، وستخيف أصوات حربنا الطيورَ المهاجرة، الكدري والزرعي والسمن وبط الشهرمان والترغل والمطوق التركي.. كلها لن تحط رحالها في سوريا هذا العام. سنخذل الربيع والأوراق الجديدة، أما البذور الخريفية فلن تجد في محيطها تربة ملائمة للحياة، ربما ستختبئ في بطن جثة ثعلب من بادية الشام الشرقية. وقليل يعلم ما أجمل ثعالب الغوطة الشرقية، وما أهناها، وأن لونها كلون الذهب المطفي، وأنها تحب التأمل الأخرق على قارعة الدروب قليلة الخطو، وكأنها كلاب حراسة ساذجة وجميلة.
ستخذلنا الطبيعة وكأنها استنجدت بالآلهة القديمة لتصحو من كتب الأساطير: إله المطر سيحتجب، وحارس الشمس سيقربها من الأرض حتى الغليان، ستنتشر الأوبئة التي رميناها، ولن تحتملنا الطبيعة بشكل عام.
نحن المخذولين سنبقى في الخارج، أما البشر السعداء، والطبيعة الغالية، والأمل الشفاف الذي كان يغلف الغد، فسيختفون وكأن الحوت ابتلعهم، الحوت نون ذاته، الذي ابتلع النبي يونس حتى حان موعد ولادته من جديد: بعد أن انتهى حزن الأرض. الآن وهنا:
سنقف مع الثعالب الذهبية، الطيور غير المهاجرة، القطط مستحيلة الترويض، الكلاب البرية البلدية التي لم تقرب الجثث، والأشجار القليلة الباقية والرمادية، نقف في صف طويل، صف من فائض هذا الكون.


لكننا اتفقنا ألا نتحدث عن حزن الحرب، سنتحدث عن تطورات البشر، إذ من إيجابيات وجودها أن تعلم كم أنت متغير وقادر على التحول والارتقاء. ستعود مَلَكة الاكتشاف:
كأن تكتشف: أن بنطالاً من الجينز سيحترق بشكل أقوى وأطول من ليترين من المازوت المفقود، والذي دخل في بطن الحوت نون – طبعًا عليك أن تخرج رأسك من الغرفة كل قليل لتأخذ نفسًا طويلاً نسبيًا وتعود-، وأنّ صحنًا من الستانليس الرخيص الذي كنت تكره رؤيته على رفوف مطبخ والدتك -ولا أمل في كسره واختفاءه- تستطيع أن تضع فيه كحولاً طبيًا وتشعل فيه فتيلاً من قماش قطني سميك (قطعة من بنطال الجينز السابق ذاته) وسينير أطول من أربع شمعات حرب، فشموع الحرب هزيلة سيئة الرائحة وسريعة الاحتراق.
غريزة البقاء ستضحى أقوى وأكثر حدة ونقاءً. ستجترع معجزات لم تكن تعرف أنك قادر عليها قبيل الحرب، كأن تشعر بأن القنابل لن تقتلك فلا تقتلك، أو أن مكروها سيحدث لك فتصاب بشظية مارقة في ذاك اليوم، ولا تموت، أن تتوقف مجبرًا عن الطعام عدة أيام ولا تموت، أن تشاهد شخصًا على وشك الموت جوعًا ولا تموت، ألا تموت إلا كحالة اضطرارية جدًا، حتى لو رغبت بذلك!
وتحسد، حسدًا حقيقيًا أسود وكالحًا كسحر الجان، موت الرصاصة السريع، أو الخروج من هذه الأرض المباركة!
سيقف كثير من البشر بلون الأرض، مخذولين وعصيين على الموت، مع معظم الأشجار الخالية من طيورها، وثعالب الغوطة الشرقية، صفًا طويلاً، صفاً من فائض هذا الكون الذي لم يبتلعه الحوت.
….
لكننا اتفقنا ألا نتحدث عن الحزن، فلنتحدث عن الحب، سيكون في زمن الحرب كثير من الحب كذلك! في لحظة الانقلابات الكبرى كل شيء يصعد ليصل إلى أقصى مجال:
الحب المتوهج بإثارة الحرب أقوى، وإن كان أقصر أمدًا من ذاك المتوهج في الربيع أو بسبب فوران الهرمونات، أقول أقوى من الحرب، وأسرع من تغيير الفرق العسكرية لأسمائها، وأسرع بكثير جدًا من عمليات الأمريكان العسكرية، ومناورات الروس، وتغيير فرق القنص التركية على الحدود.
سيضطر العشاق إلى الهروب مع بعضهم، فلا وقت للشباب لطلب إذن الأهل للزواج؛ إذ تحب الفتيات الصغيرات هذه المغامرات، والشبان الصغار هم على الأغلب جنود -في هذا المعسكر أو ذاك-  يملك الجندي في الحرب الطويلة القليل من الوقت قبل أن يموت في خندق تعثّر فيه فجأة، لم يملك رفاقه الوقت لإخباره بأنهم حفروه، أو أن يسقط في يد جنود معسكر ثالث لم يعلن متعهدو الحروب اسمه بعد.
ستضطر المرأة إلى الزواج السريع برجل قد نجا ووصل أوروبا؛ تضمن لها السمسارة ومكالماته المصورّة الليلية الطويلة قدرته على إنهاء معاملة لم الشمل.
سيضطر الرجال لترك زوجاتهم والقفز في الماء للمرة الأخيرة، قبل أو بعد أن تصعد هي في قلب دولاب مطاطي لن يغرقه البحر إن لم يتجاوز ارتفاعُ الموج خمسة أمتار، وسرعته أكثر من عشرين عقدة.. لمسافة كيلومترين فقط!
سيترك الرجال النساء لجنس سيتكاثر كالطفيليات: حفلات جنسية كنا نسمع عنها خارج حدود بلدنا „الآمن“، كما في أوروبا وأمريكا وما يردنا من الصحافة الصفراء وحكايا من جرب السفر. ستعلن النساء ثورة فض أغشية البكارة بأصابعهن ويعرضنها على „يوتيوب“، ولقلة الأدوية وغلاء الأطباء؛ ستشتهر القابلات مرة أخرى، والإجهاض باستخدام قضبان الرمّان وأبخرة المياه المطيبة بالقرفة، والأدعية والطلاسم الحجرية التي ظهرت على وجه الأرض أثناء حفر القبور.
ستدعم منظمات العالم المتحد مثليي الجنس الهاربين من قوانيننا التعيسة شرط أن يذرفوا دموعًا خلال المقابلات، ستدعم القليل من النساء والأطفال القابلين للتصوير، وستترك خلفها الرجال متعبي الروح، ستترك خلفها كل غير الصالحين للأكل، ومبتوري الأطراف العاجزين عن الرقص (ولن يبتلع الحوت نون أيا من هؤلاء).
سيغادرنا الرجال إلى موتهم السريع وإلى شهوتهم الأسرع. ولن يكفوا عن عشقنا. لكن المرأة في زمن الحرب بضاعة كاسدة أكثر من رغيف خبز يابس، وفي لحظات، يمكن أن تكون مدعاة أقل للدهشة من ربطة من الفجل الأحمر الكبير!
ستنال الجماعات السورية „النسوانية“ -المسؤولة عنا نحن النساء اللواتي أتعبتهن الحرب- جائزة في حسن السير والسلوك، بشرط أن يتقنّ اللعبة فلا يرفعن صوتنا ولا يخبرن أخبارنا. فقط صور فروجنا المغتصبة ومناظر الأطفال منفوخي البطون.
ثم سنقف نحن النساء والأطفال، مبتوري الأطراف، الرجال المخذولين من الرجال، والأشجار الخالية من طيورها، صفًا طويلاً من فائض هذا الكون، لا ننفع في الحرب كقطع غيار.
….
لكننا اتفقنا ألّا نتحدث عن الحزن، ستقدم لنا الحرب فهمًا جديدًا وطازجًا للعالم، سنستقرئ ارتفاع أو انخفاض الدولار أفضل من قارئ في بورصة نيويورك: كلما أغلق معبر سيرتفع الدولار، وإن فتحت سفارة سينخفض بعض الشيء. بعد لقاءات السفراء السرية، والتي يتابعها كل الشعب ومحطات الأخبار، وإن سار اللقاء على خير، ستلتقط أنفاسها سوق الخضار.
أسعار اللاجئين المتجهين جنوبًا أرخص ثمنًا لدى منظمات العالم المتحد من اللاجئين المتجهين شمالاً. المرتزقة القادمون من الغرب أقل خطرًا على المدى القريب من المرتزقة القادمين من الحدود الشرقية. المحاربون المتسللون أكثر دموية من المحاربين القادمين بالطائرات، وكلاهما سيرفع سعر الدولار ويتعب سوق الخضار.
سنتعلم أن مشاريع الداخل الصغيرة لن تنجح إلا إن تضمنت الكحول والحشيش والنساء، أو دكانًا غير مرخص لتصريف الدولار. وأن تمويل الخارج للهاربين إلى الخارج لن يحمل لنا غذاء ولا أمانًا، ولن يحمل عنا تعبنا ولا صوتنا، سيبقى للذين في الخارج ويدفعون منه القليل جدًا ضرائب للبلدان المضيفة، وستنتج عنه بعض المشاريع الثقافية، ستعرض خيباتنا على شاشات مسطحة كبيرة في المؤتمرات، وعلى هامش مهرجانات السينما والمسرح. أي لن يؤثر هذا المال بأسعار المحروقات هنا، ولا بسوق الخضار.
مهلاً،
يكفي حتى هنا! تعبت من إيجابيات الحرب وسوق الحب وأخبار الدولار.
ربما سأعود للوقوف في الصف الطويل مع مبتوري الأطراف والمكلومين, الثعالب والقطط مستحيلة الترويض، والطيور غير المهاجرة والأشجار: فائض الكون الذي ابتلعه حوت، ورسمه فنان تشكيلي -كان مجهولاً قبيل الحرب بنهار-، وستعرض اللوحات في برلين، في أكبر معرض في برلين: معرض „من أجل الحوت نون والأشجار“.

Share
Rabab Haider Ulla Lenze

Rabab Haider & Ulla Lenze

"Es ist nicht leicht, im Krieg Atheistin zu bleiben", sagt Rabab. Mittlerweile habe sie einen Gott ziemlich nötig. Humor und das Gespür für die feinen Unterschiede in groben Machtgefügen verbinden die Texte der beiden viel fliegenden Schriftstellerinnen.