Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu

فطمة تحمل جرحين بيدٍ واحدة*

Ramy Al-Asheq
Foto: Collage / Tammam Azzam
Photo: Collage / Tammam Azzam

1- مقطع عرضي في الذاكرة

„البحرُ أبيضُ“
قالتِ الأنثى العروسُ على الطريقِ
تظنُّ أنَّ الماءَ
أضعفُ من زواجَينِ استمرّا طولَ عُمري!
كنتُ أذكُرُ
أنّها كانتْ تعلّمُني السباحةَ
كيف؟ لا أدري، ولكنْ كنتُ أذكُرُ
أنّها ألقتْ بقلبي –دون أيّ هوادةٍ-
في اليمِّ، لا خوفًا من الفرعونِ.. لا
بل كي تفتّش عن نبيٍّ
كنتُ أذكُر أنّها..
تطفو كأمِّ الموجِ
كي تحمي المياهَ من التبخّرِ
كانتِ الأولى.. ككلّ الأمهاتِ
تصدُّ عنها البحرَ
تخفي ما استطاعت من أنوثتها
وتنزل بحرَها بثيابها وحجابها

-2- هامش

فطمةْ ..
تخافُ من السياسةِ، لا تخافُ من البحارِ
تطوفُ بينَ مخافر (البوليسِ)
تعطي كلَّ شرطيٍّ قليلاً من أمومتها
وتفتحُ دفتَرَ الصورِ القديمةِ كي يلينَ
فتعرفُ الأنثى مكانًا لابنها..

-3- مقطع عرضي آخر.. في الذاكرة

كانتْ تحاوِلُ أن تعلّمني الهدوءَ
وما استطاعتْ!
كانتْ تؤرشفُ أغنياتي كلّ أسبوعٍ
لتصلح بعض ألعابيْ البسيطةِ
كنتُ مجنونًا صغيرًا
ملعبي نزقي ودمعي
والبكاءُ
–الغائب الآن-
استفدتُ على يديهِ
وربّما..
غابَ البكاءُ كردّ فعلٍ عاجلٍ متأخّرٍ

-4- أمُّ القصيدة

فطمةْ تُعِدُّ ليَ السفينةَ
هل أعدُّ لها انتظاريْ؟
من أينَ يأتي الصبرُ –يا أمَّ القصيدةِ-
بانكساركِ وانكساري؟!

-5- الفطام

فطمةْ..
ستفتحُ صدرها للبحرِ
ترضعهُ، وتصمدُ..
كلُّ هذا الملح تعرفهُ
وتعرفُ كيف تسكُب منه شيئًا في الطعامِ
وكيفَ تفطمُ طفلَها

-6- حجاب

فطمةْ..
ستكشفُ رأسها للبحرِ
أعرفُ أنّها قرأتْ عليهِ الشعرَ والقرآنَ
وابتسمتْ لوجهِ الماءِ
وادّعتِ الدوارَ لكي تمدّد جسمها..
وجهًا لوجهٍ مع أشعّةِ شمسها
وجهًا لوجهٍ مع سماءٍ قد تخونُ
تريدُ أن تبقي مداها واسعًا
لترى الخيانةَ
إن أطلّتْ واضحةْ!
والبحرُ..
خانَ السابحاتِ كما يخونُ الرائحةْ!

-7- معايرة

للبحرِ عاصمةٌ ونارٌ
أيّها البحرُ القديمُ تعالَ نعقد صفقةً
للبحرِ ما شاءَ الجنونُ
وليْ صِباها..
يا بحرُ أوصيكَ الهدوءَ
أنا ابن عكّا..
-قد تفيدُ الآن ذاكرةُ المياهِ-
فلا تكنْ أبدًا سماها..
كنْ سلامًا..
نحنُ من كنّا نروِّضُ كلَّ موجِكَ
في الصباحِ وفي المساءِ
وفي الحقيقة أو سواها!

-8- بلم

فطمةْ تحزِّمُ نفسها بحنينها
والقاربُ اتّسعَ اختناقًا بالحجيجِ
الشمسُ قِبلتهم
وهذا البحرُ (سجّادُ) الصلاةِ
وليس يصلحُ للوضوءِ
البحرُ صارَ ذواكِر الغرقى
ومرآة السماءِ
وغاب عرشُ اللهِ عنهُ
وعن سواهُ
ووجهُ فطمةْ لم يغبْ!

-9- حليب ثقيل

فطمةْ تعدّ لنا الحديقة والحليبَ
كأنّنا..
لم نستطعْ جعلَ البحار أقلَّ موجًا
والسماء أخفَّ

-10- بانتظار معجزة ما

فطمةْ..
آهِ يا أمّ الحقيقةِ
كم كذبنا كي نراكِ
وكم كذبنا
كي نخبّئ وجهنا
من نارِ خوفِكِ
آنَ أن تقف البحارُ على يديكِ
وأن يخرَّ الماءُ
–يا بنتَ السماءِ-
على جراحِكِ ساجدًا

-11- على ضفة الانتظار

وجهُ السفينةِ وجهُ كلّ اللاجئينَ
ووجهنا..
ما زالَ يبحثُ في السماءِ عن الحصارِ
وكان وجهُ الشمسِ عائمْ
والشمسُ غابتْ..
ثم ضاعتْ..
فابتلعتُ النارَ „فاكهةَ الشتاءِ“
وما امتلأتُ
سرقتُ ما شاءتْ حياتي
حينَ كان الموتُ نائمْ

-12- تفصيل

أمّي ..
سترسمُ وجهنا في البحرِ ألوانًا وألوانًا
وتطعمُ صرخةَ الأسماكِ صورتنا سويّةْ
ستقول للأيامِ:
– „هذي ضحكتي
والماءُ صوّرني نبيّةْ
تعويذتي: أمّي، و(يامو)، ألفُ ماما، صوتُ أولادي الذكورِ الأربعةْ
أبحرتُ في وجعِ الرجالِ ولستُ أملكُ أشرعةْ“.

-13- انتظار

وأنا سأنتظرُ السلامَ
أنا سألقي كلّ أغنيةٍ عرفتُ
على الشواطئِ
للمياهِ
سينتهي سرُّ النساءِ على حدودِ البحرِ
يا بحرُ انتظرْ كلَّ الحكايةِ
دونَ أيّةِ أسئلةْ..
بيديكَ أمّي..
قلْ لها:
„ابتسمي،
سأضحكُ..
كي تصيرَ ملامحي مطرًا،
ووجهك سنبلةْ“.

-14- مناجاة

فطمةْ تُعِدُّ لنفْسِها دربَ البدايةَ في نهايةِ بحرها..
يا ربَّةَ البحرِ
املئي جلدَ المياهِ بِذارَ خوفِكِ
وازرعيٍ في البحرِ جنّةْ..
أنثاكِ شَقّتْ ماءَها بالماءِ نحوَكِ
فاصنعي برًّا..
ولا تضعي ببالكِ أن تكونَ الأغنياتُ حصيرةً
وضعي أمامكِ إن تمادى الماءُ
تنتحرِ الأجنّةْ..

يا ربّة البحرِ
احذري..
كُفرَ القوارِبِ إن تحطّمتِ
احذري..
لا ترسليْ خفرَ السواحِلِ أنبياءً كاذبينَ
فهم يمدّونَ المياهَ على المياهِ
كذاكَ صارَ البرُّ أبعدَ
أرسليْ نبأً كنورِكِ..
باعِدي بينَ السماءِ وماءِ موجِكِ
وافرحي..
إن ضاقَ بحرُكِ
وافرحي..
إن ضاقَ عرشكِ
كلّما ضاقتْ ستتّسعُ الحكايةُ للذينَ تحبّهم هذي الحياةُ
وكلّما قلّ الحسابُ تقلّ هذي الريحُ هبّةْ
كلّما اتّسعتْ مياهٌ ضاقَ صدرُ الهاربينَ
وكذّبوا زبَدَ المرافئ:
„ليس تحت البحرِ ربّةْ“

-15- في قبضة البحر

فطمةْ ستنجو..
„ما جنيتُ على البلادِ بل البلادُ جنتْ“
تقولُ، وتكملُ:
„انتصرتْ حروب النّاسِ، كلّ الناسِ وانهزمَ الكلامُ، وصارَ طَوْفًا لا طَوَافًا حجُ هذا البحر، هذا ما استطعتُ له سبيلاً“
سوفَ تنجو..
كيف لن؟
والبحرُ يخشى طيشَها..
ويهابُ عشقَ الملحِ في فمها النديّ
ولن يصدّق أنّها تخشاهُ
تعرفُها المياهُ عصيّةً
وغزيرةَ الدمعِ الدمشقيِّ

-16- الضفة

اقتربتُ الآنَ من حدّ المياهِ
أمدُّ عيني نحوَ شطٍّ لا أراهُ
أشدُّ ما طالتْ جروحي
ها أنا أنفي استحالةَ وصلِ يابسةٍ بيابسةٍ
وأسعى (دُنكيشوتيًّا) لأجمع قارتينِ
هناكَ جسرٌ فوقَ صدري
والقطارُ يمرُّ من فوقي
ومن تحتي القواربُ تستريحُ
أشدُّ، أنتظرُ، اختنقتُ، سأنتهي!
يا وجهَ فطمةْ.. لن تُطِلّْ؟!

-17- تيه

وجهًا لوجهٍ
لا أراها لا تراني
أصبحتُ بحرًا
ظلَّ لحمي خاليًا من ملحهِ
أصبحتُ جسرًا
كادَ يغلبهُ التكسّرُ والعظامُ الآن هشّةْ
يا وجهَها أقبلْ على جِلدي تمشَّ
الحربُ أغلقتِ النوافذَ للجديدِ
وبعضنا العاديُّ فارقنا
وصارَ (الكلُّ) عاديًّا تمامًا..
أنتَ وحدَكَ
تمنحُ العاديَّ دهشةْ!

-18- بوحٌ للغياب

أمّي.. تعالي كي أقول لكِ الحقيقةَ
لستُ أشبهُكِ
الملامحُ تشبهُ الماضي
ولكن كل شيءٍ قد تغيّر
قدّ دعستُ على ظلالي كلّها
ومشيتُ نحوَ النّورِ
-لا نورًا كنورِ الحبِّ-
عاندني الطريقُ
فصرتُ أفعلُ عكسَ ما قالَ الدليلُ، وما وصلتُ
تعضّني الغاباتُ
والأشجارُ من حولي
تحاصرني وتأخذني إلى ذات الطريقِ
أنا سئمتُ مخافرَ (البوليسِ)
تخنقني ملامحهمْ
وشاراتُ المراتب
واللباسُ العسكريُّ
–وإن تغيّر لونُهُ-
وأنا الطريقُ الجانبيُّ إذا تعبِّدهُ الغوايةُ
لستُ أشبهكِ
افتتحتُ عقيدةً
وبدأتُ أبحثُ عن حقيقتها لوحدي
لا أريدُ مصدّقينَ ولا رجالاً صادقينَ
وليس عندي غير شِعري من كتابٍ
ليسَ وحيًا مطلقًا
هو محضُ أغنيةٍ تمادتْ في التفكّرِ
لستُ أشبهكِ
الحقيقةُ..
كنتُ أشبه وجهَكِ الشّاميَّ في عمّانَ
أنقذني طويلا..
آهِ اعذريني إن أطلتُ
فقد تأخرَتِ القصيدةُ عن حكايتها قليلا..

-19- غناء

والآنَ يا فطمةْ وجُرحيْ
الآن يا أمّي ومِلحيْ
في المدى المحظورِ عاصمةٌ تباعُ
وما جنيتِ على المدينةِ
بل جنينا بعضَ ما زرعَ الخرابُ بقلبِ قلبٍ
لم يزلْ يهذي بأقربِ عودةٍ
غنّي.. ليقتتل الخرابُ مع الخرابِ
فلن يكونَ هناكَ نورٌ
طالما ما كانَ عَتْمًا
لن تُغسّلَ وجهها بالصبرِ فطمةْ!

كولونيا 2015

*كتبت هذه القصيدة لأمّي وحملت اسمها، حين خرجت في طريق اللجوء إلى ألمانيا عبر البحر وحدها، كتبت قبل أن تصل فطمة إلى الضفة الأخرى.