Logo Weiter Schreiben
Menu
Suche
Weiter Schreiben ist ein Projekt
von WIR MACHEN DAS
und dem Gunda-Werner-Institut
in der Heinrich Böll Stiftung
Logo Weiter Schreiben
Menu

والدي صورة في إطار

Ali Al-Kurdi
Photocollage: Hala Namer / Studio Yalla 2017

عشت طفولتي المبكرة وحيداً مع أمي، دون أن أعي آنذاك، لماذا كانت تصرُّ كلما أيقظتني من نومي في الصباحات المبكّرة، تلقيني تلك العبارة التي بتًّ أكررها مثل ببغاء: “ قول للبابا صباح الخير“.

كانت تشير بإصبعها إلى صورة بالأبيض والأسود، معلّقة على جدار مواجه لسريري، لرجل بذقن وشاربين كثيّن، وتطلب مني أن أرددّ تلك العبارة. بعدها، تشرق الابتسامة على وجهها، و تفتح ذراعيها. تحضنني، وتمطرني بقبلاتها الصباحية الدافئة، فأنتشي برائحتها التي  تملئني  بهجةً وحناناً.

بلغت الخامسة والثلاثين من عمري، لكني كلما استعدت تلك اللحظات الطفولية، أنتشي برائحة أمي التي عاشت حياتها: رحلة مكابدة، وألم، وانتظار.

كانت أمي تبدو لي في تلك الصباحات، دائماً على عجلة من أمرها. تغيّر لي ملابسي بعد اغتسالي. تحضر لي وجبة إفطاري السريعة. ثم ترتدي ملابسها، وتسارع إلى ترتيب حقيبتها، التي تملأها بحاجياتي. تمسك بيدي. ننزل درج البناء بسرعة، إلى أن نصل الشارع. نقف بانتظار الحافلة التي تقلّنا إلى المؤسسة التي تعمل بها.

تتركني في الحضانة التابعة للمؤسسة، بعد أن تسلّم حاجياتي للمشرفة، وهي تتبادل معها بضع كلمات، لا أفهم منها سوى أنها تخصّني، ثم تغادر على عجل، فتظل عيناي معلقتين على الباب الذي خرجت منه، إلى أن تنبهني المشرفة، فأسارع الانضمام إلى باقي الأطفال… كان ذلك الإيقاع يتكرّر يومياً. صيفاً وشتاءً، باستثناء أيام العطل والأعياد، حيث تتركني أمي أستمتع بنومي الصباحي، لكنها لا تنسى أن تطلب مني حينما أستيقظ أن ألقي تحية الصباح على صورة „والدي“ المعلّقة على جدار.

هكذا تفتّح وعيي على أن لي أب ككل الأطفال. الفارق الوحيد بيني وبينهم أن والدي مجرد صورة على جدار. بدأت أعي فيما بعد أن هذا الرجل – الصورة، والدي، هو في السجن، وأنه هناك، ليس لأنه مجرم، أو سارق، أو….، بل لأنه صاحب رأي سياسي معارض. مجرد رأي، وليس ثمة ما يدعو إلى الخجل، لأن والدي في السجن، الذي يسمّونه “ معتقل „، بل على العكس يجب أن أفتخر لأنه ورفاقه القلائل، قالوا كلمتهم بشجاعة في زمن كان الصمت والإذعان خلاله هو السمة العامة للمشهد. إذ كان من السهل اتهام أي معارض سياسي “ بخيانة الوطن „.. والزج به سنوات طويلة في أقبية النظام، دون أن يتجرأ أحد على المطالبة به، أو السؤال عنه.

في أول مصافحة لي مع كتبي، وكراريسي المدرسية. طالعتني صورة لرجل آخر. صورة غامضة، مخيفة، لرجل عابس، يرتدي بذّة ضيقة. رافقتني تلك الصورة في كل مراحلي الدراسية والحياتية. كنت أصطدم بنظرتها العابسة أينما حللت : في مدخل المدرسة. في غرفة الصف. على الجدار فوق رأس المدير… لا أعرف لماذا لم أحبّها. كنت أشعر أنها تراقبني، حتى وأنا أكتب فروضي المدرسية.

علّمونا أنها صورة “ الأب القائد „، لكنها لا تشبه صورة أبي، ونظرته الحنونة. أمي لم تمطرني بقبلها الدافئة من أجلها. بل كنت ألاحظ صمتها الخشبي كلما طالعتنا على كراريسي أثناء حلّ فروضي المدرسية. لم أجرؤ بحدسي الطفولي سؤال أمي حولها، وهي لم تبح لي بشيء، لكأن الخوف والتواطؤ الضمني بيننا هو: الجواب.

لم أكره تلك الصورة فحسب، بل كرهت معها : النشيد الصباحي، وترديد الشعار، ولباس المدرسة العسكري. ذلك اللون الموّحد الذي لم يفارقني، أو يفارق جيلي. لونٌ طمس أذواقنا، وألواننا، وأرواحنا، وحوّلنا إلى دمى تردّد كلمات جوفاء، ليس لها علاقة بأي لون من ألوان المشاعر، سوى لون : الخوف.

تعرّفت بعد سنوات على وجه آخر لوالدي، غير وجهه في الصورة. كان رجلاً بمنكبين عريضين، وابتسامة ساحرة. يقف شاحب الوجه خلف شبك معدني أسود، وأنا وأمي نقف خلف شبك ثان مواجه، يفصل بينهما فراغ. أذكر أنه مدّ يده مرّةً بأقصى ما يستطيع من بين قضبان الشبك، ومددت يدي الصغيرة بأقصى ما أستطيع، إلى أن لامست أطراف أصابعي، أطراف أصابعه، فشعرت بدفء يسري في جسدي، ملأني غبطةً، وشعوراً سرّياً بالانتصار، لكني لم أفهم آنذّاك: لماذا اغرورقت عينا أمي بالدموع، واحتقن وجه والدي، فانكفأت على نفسي لائذاً بالحيرة والصمت.

مضت ثمانية عشر عاماً، وأنا أعيش مع أمي وحيداً. أصبحت رجلها الصغير، الذي يضيق ذرعاً بأحزانها وقلقها. كان توترها يتزايد كلما اقترب موعد زيارة والدي في السجن. تغرق في الترقّب، وتفاصيل التحضيرات. تغوص في حسابات الميزانية الضيقة. تؤجل شراء بعض الحاجيات الأساسية. تضغط النفقات من هنا وهناك. كي توفر بعض المال لشراء أغراض الزيارة. صرت ألاحظ وطأة ذلك على والدي. إذ لطالما سألها : كيف تدبرين أمورك ؟!وفي كل مرة كانت تطمئنه: أوضاعنا بخير. لا تقلق.

لاحظت مع الزمن ذبول وجه أمي، وشحوبها الدائم، لكأنها شاخت قبل أوانها. أدركتُ متأخراً أن المرأة مثل الوردة، تذبل في غياب رجلها.

كنت على أبواب سنتي الجامعية الأولى، حينما أُخلي سبيل والدي. ثمانية عشر عاماً مضت على اعتقاله. هي عمري كله. لم تتسع الدنيا لأفراح وسعادة أمي بعد سنوات الألم والمكابدة والانتظار. لكن لا أعرف لماذا راودني ذلك الشعور الغريب، المتناقض: لم أفرح كما ينبغي لإطلاق سراح والدي. دهُشت لبرودة مشاعري. لم أجد في الحقيقة سبباً منطقياً لتلك المشاعر الحيادية التي استحوذت عليّ. إذ ثمة أسئلة كثيرة راودتني، وشغلت تفكيري. ربما سبب ذلك هو إحساسي، بخذلان لحظة اللقاء مع والدي. كنت أظن أنها ستكون أكثر دفئاً وحميمية، بيد أنني فوجئت بانشغاله عني، بتبادل أحاديث الذكريات، والضحك، والتعليقات مع أشقائه، وأصدقائه، الذين تجمعه معهم ذاكرة قديمة مشتركة، بينما تنحيّت جانباً إلى الهامش. في الأثناء كانت والدتي في صدارة المشهد. سعيدة، نشوانه… تتحرّك مثل نحلة نشيطة بين المهنئين. تستقبل وتودّع. كنت بدوري ألبي طلباتها بصمت، لكن رأسي ما برح يضجّ بعشرات الأسئلة، حول مستقبل العلاقة الضبابية مع والدي في قادم الأيام!

بذلت مجهوداً للتخلّص من الطاقة السلبية التي لبستني، لكنها ما فتئت تعاودني، وتلحّ عليّ، رغم تأنيب الضمير الذي بات يلاحقني كظلي.

حانت مني التفافةُ إلى صورة والدي المعلّقة على الجدار، فأدركت في تلك اللحظة، بما يشبه الاكتشاف، أن علاقتي معه أصبحت منذ الآن، علاقة بين كائنين من لحم ودم!

Share